الأربعاء 28 رمضان 1431
تمهيد : كلمة مفهوم
     

يقسم الفقهاء الأصوليون الدلالة إلى لفظية ونصية يجمعها اصطلاح : "منطوق" وإلى دلالة مفهومية، ويقولون : دلالة المنطوق في مقابل دلالة المفهوم. وعندئذ يتحدثون عن مفهوم المخالفة. وبعضهم يجعل الدلالة اللفظية في مقابل الدلالات المفهومية التي تدخل فيها الدلالات النصية، وإذ ذاك يكون لديهم : مفهوم الموافقة، ومفهوم المخالفة، ومفهوم الشرط، ومفهوم الوصف، ومفهوم اللقب الخ.

هذه اصطلاحات أصولية من ورائها جهود طويلة غنية بالإجتهاد والتمحيص والنقد، أسسها علماؤنا لتكون لهم آلات طيعة تساعدهم على فهم نصوص الشريعة واستنباط ما في أحشائها من علم. وهي اصطلاحات متخصصين بعد ذلك، ليس عنها نتحدث.

كلمة مفهوم عند المثقفين المعاصرين كلمة مترجمة تدخل في النسيج الفكري لخطاب الفلاسفة والأدباء والاجتماعيين وسائر تلك الأصناف، ومع هؤلاء أيضا نفتح الحوار برغبة منا أكيدة. ولن نستطيع دائما أن نقوم بالترجمة المعاكسة لكي نوضح للمعرب القح حتى يكون الفهم سواء بين الجميع. وإلا لزم أن نخص ثلاثة أرباع حجم الكتاب لنقوم بدور ـ أف ! هذه كلمة أخرى مترجمة ـ الترجمان. وذلك متعذر. ولا مناص من اقتحام هذه العقبة لنتحدث للناس بما يفهمون. حتى إذا عز الإسلام، وانتصرت لغة القرآن، وصارت لنا الأشياء، في ملكنا ومن صنعنا وتحت سيادتنا، عبرنا بالفصيح الأصيل وذهبت الرطانة الهجينة بذهاب التبعية.

بيد أننا لن نستغني أحيانا عن كشف أصول بعض المصطلحات العصرية وإعادة سيرها على أعقابها لنراها ترد علينا ونحن على علم بهويتها وما تحمله، فإن المستوردين من غيرنا، خاصة المثقفين الأكادميين المزدوجي الثقافة أو المثلثيها والمربعيها، إنما يلقفون هذه الألفاظ جزافا.

المفهوم عندهم هو"المعرفة الأولية بموضوع ما" مرتبطة بلفظ محدد ذي دلالة علمية أو فلسفية محددة. هنالك معاني "الدلالة" ومعاني "الاصطلاح"، لكن المثقف المعاصر المشغوف بالدخول في منتدى "الفكر الكوني العالمي" لن يفهم عنك حتى تأتيه بألفاظه "المكرسة". ها أنت ترى الفكر المترجم يترصدنا في كل جملة. كما أنه لا يكفيه أن يقال : نجيب عن هذه الأسئلة حتى تقول : إشكاليتنا كذا وكذا، مرت على فكره موجات و"موضات" الجدلية والوجودية والبنيوية الخ، فترك كل موج رواسبه. كلمة "مفهوم" تترجم اللفظ الأعجمي "Notion".

ثم يعتري مثقفنا الولوع بالتركيب والبناء فيستعمل مفهوم "جهاز مفهومي" "Appareil notionnel". معك شبكة مترابطة أو متآلفة من المفاهيم تمكنك من الجولان بالعرض والتأكيد والتكوين والمقابلة والنقد داخل إطار "إشكاليتك" أي "Problématique" أي مجموعة أسئلتك العلمية أو الفلسفية السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي طرحتها في مدخل بحثك عن "منهجية" "موضوعك" بالنظر لما ترسمه من أهداف وما معك من وسائل.