الدليل بحث بطاقات محول التاريخ 
  • RSS
  • Youtube
  • Google+

الإسلام والحداثة

مقدمة

التواصل بين أهل الشمال وأهل الجنوب صعب. يكاد يكون ذا اتجاه واحد: تفرض قوة الشمال استبدادها عبر بنود إلزامية، ويواري الجنوب خجله مسميا خضوعه "تعاونا وديا".
التواصل مع حداثة غربية شمالية مشحونة ضد الإسلام يصبح مستحيلا عندما نكون ملتحين ونتحدث عن  الله وننحدر  من الجنوب. يُحكم على الإسلامي المتحدث عن الله مسبقا بأنه متعصب وظلامي ومتخلف وإرهابي ومُدان فوراً دون محاكمة.
إذا كان المسلم المنشغل بالسياسة يحتاج إلى جهد وصبر لايني لكي يُسمِع صوته في محيطه، فهو محتاج إلى مصابرة وإصرار أكبر لاجتياز العقبة وإثارة فضول عدائي ومرتاب لغرب يقف بالـمرصاد للغليان الإسلامي الذي تتصدر أخباره الصحف اليومية. أدنى حركة تُعرَض بمهارة وتحــلل ويعلق عليها للتوضيح والبرهنة على مدى عنف هذه "السحنات الإجرامية"، سحنات "القتلة الـمولهين بالله".
لا بد من جهد جبار ومثابرة ومصابرة لإزالة الغشاوة التي تضعها على العيون، كل يوم وبشكل متزايد، حَمْلةُ التحقير العدائي للإسلام التي يقوم بالدعاية لها صناع  الصورة المُدعمة بـ "الرأي الموثوق به" للعلماء المتخصصين.
للتواصل مع الحداثة التي تحكم عليك بأحكام مسبقة ومضادة، ينبغي بلوغ أذن متحررة ومستعدة للاستماع إلى صوت الآخر. كم هو عزيز وجود هذا الاستعداد وسط العقول المتمترسة وراء اعتقادات جاهزة   وإصرار عجيب على عدم الاستماع.
إسماع الحق لإنسان حديث لا يعرف لوجوده معنى خارج الرغبة الرهيبة للاستمتاع بـ "السعادة" الاستهلاكية يعتبر رهانا. إن سلطة     الدعاية العدائية وطَرَقاتها اليومية صنعت ذهنية موجهة ضد كل من يتحدث بلغة أخرى غير لغة الرضوخ "المتعاون" مع الوصاية الثقافية والهيمنة السياسية الاقتصادية للغرب. تخطي الجدار  للوصول إلى الآخر يبدو مستعصيا.
بعيد المنال هو التواصل المتبادَل بين حداثة مُنَعَّمة، لا يزعجها بؤس المستضعفين الذي يظهر على شاشات التلفزة كل يوم: إبادة رهيبة في الجزائر ومذابح وحشية في رواندا، بؤس ووحشية دموية يتبرأ منهما المواطن العادي والمسؤول السياسي باتهام "الإرهابيين الإسلاميين المتوحشين" أو بتنظيم مساعدة إنسانية تمكنهما من تسلية ضمير يتألم.
كيف السبيل إلى التواصل مع عالم متخم بالمتع المادية التي ينطبع ترفها المخزي على لوحة المجازر اللاإنسانية التي يرتكبها محميو الحداثة اللاييكية والديمقراطية في الجزائر وفي غيرها من البقاع؟
كيف السبيل إلى إسماع صوتك وإقناع عالم متخم وأنت تنتمي إلى عالم جائع؟ لا مكان لصوتنا في عالم حديث ينمق الكلام، عندما نكون مدفوعين إلى الجهر وإعلان اقتناعنا بفكرة مناقضة للأفكار الواردة والمقبولة في الغرب.
ماذا تستطيع الفكرة ؟                                                
ماذا تمثل فكرة عزلاء أمام غرب مدجج بالسلاح ؟
الفكرة الواضحة والموضوعية مرفوضة من طرف حداثة عدوانية إن لم تخضع هذه الفكرة للمنطق اللاييكي الذي يحظى وحده بالقبول. مهما كانت الفكرة مسالمة والاقتراح سمحا ومنفتحا للحوار فهي منبوذة بين مواطني ثقافة وذهنية وقوة اقتصادية وسياسية وعسكرية مستعلية صعبة المِراس، متجاهلة لكل نظرة مضادة تدعي أنها قادرة على فتح العيون العمياء، عيون الحداثة، لكي ترى نور النهار.
صعبٌ تذكير الإنسان الحديث أن الله هو خالقنا لا الإله الدولار، لا الإله الفائدة الربوية ولا القوة العسكرية لفرعون اليوم، ولا الهيمنة الاقتصادية لقارون هذا الزمان. إعلان فكرة والجهر باقتراح حالم معبر عن الأماني         المكبوتة يعتبر غير مناسب أمام الواقع الحديث الملموس.
ماذا تستطيع الفكرة ؟ وما هي قيمة الاقتراح أمام الواقع الحديث ؟ الواقع العلمي التكنولوجي يوسع بسرعة رهيبة الهوة بين فلان صاحب الأفكار السخيفة وبين حداثة متمكنة من قوى ضخمة.
ماذا تستطيع الفكرة الحافية والاقتراح المتشرد ضد واقع جبروتُه ملموس؟
ماذا تستطيع القيمة الروحية والأخلاقية التي تنادي بها وتعرضها الإسلامية العاجزة في السوق العالمية لمواجهة القيمة التجارية التي تضمنها الورقة الخضراء؟
الإسلام غير مرغوب فيه في الحلبة السياسية العالمية، الإسلام الحاضر والراهن والمُصر الذي يطرق أبواب الحداثة حاملا رسالة المصالحة مع الله ومع الناس، رسالة العدل والأخوة بين الناس. ما دام ظرف الإسلام والحداثة على ما هو عليه فسيظل الصوت الإسلامي مدة من الزمن غير مسموع، والفكرة الإسلامية مرفوضة. لكن سيأتي اليوم الذي سيلقي فيه عالم حديث متعقل سمعه ليصغي إلى رسالة الإسلام وكله استعداد وانفتاح لتقبل اقتراح الإسلام، وكله سعادة للاسترشاد بحكمة الإسلام. إن شاء الله.
العالم المتعقل سيفهم أن الإسلام هو خضوع لله. سيتعلم كيف ينظر بعيدا وكيف يرفع الأشرعة لبداية إبحار إلى بلاد الحرية : بلاد يكون فيها الإنسان عبدا لله لا يعترف بأي سيادة مناقضة لسيادة البارئ الواحد، ولا يخضع لأي شريعة مخالفة لشريعة الله رب العالمين.
*       *       *
هذا الكتاب يطمح إلى عرض العقيدة الإسلامية والشريعة الإسلامية. طموحه الآخر هو دعوة حداثة متمردة على الله  إلى الاتعاظ حتى لا يصيبها  ما أصاب قوم نوح المتمردين على الله المغرقين بالطوفان.
المقصود أن نتأمل الأمثلة التي يرويها لنا القرآن، والتي يجب على الحداثة الاعتبار بها، لأنه إذا كان التاريخ يتغير فإن طبيعة الإنسان الذي  يصنع التاريخ تبقى خاضعة لنفس العوامل. الأزمنة تتغير على عكس نفسية الإنسان.
درس جوهري يمكن الاعتبار به من رسالة إبراهيم عليه السلام الذي حطم الأصنام ولم يعتبر قومه بعجز الآلهة المنحوتة بيد الإنسان. نيران النمرود المسعرة المُعَدَّة لتحول إلى رماد نبيَّ الله المحمي بقدرة الله انكشف عجزها. إن النماردة المعاصرين المأجورين لا يشعلون الحطب لإحراق كل صــــــــادع بالحق، لكن ينصبون محارق على نطاق واسع ورهيب. إذا كانت المحارق الحديثة لا تنقص وحشيتها عن وحشية محاكم التفتيش في القرون الوسطى فإنها تباشر مشروعها حسب مراسم وبواسطة وسائل أخرى أكثر فعالية و"نقاوة".
تقلبات التاريخ رفعت إلى السلطة في هذا العراق، الذي نصبت فيه من قبلُ المحرقة لإبراهيم في زمن بابل القديمة في عهد النمرود الكبير، طاغيةً تحت تصرفه وسائل جهنمية يبدو أمامها اللهب القديم كأنه لعبة أطفال. صدام حسين، رمز كل الشبهات، البطل الممجد والطاغية الممقوت، يحرق في طرفة عين القرية الكردية حَلبجَة، ويبيد بنار القنابل الفوسفورية جيوشا كاملة تنتمي إلى إيران الإسلامية المسلط عليها العقاب الأمريكي.
النمرود البابلي بوسائله البدائية لم يخطر بباله أنه في يوم ما سيكون في خدمة خلفائه في العراق أو في بلدان أخرى آلات جهنمية قادرة على صب النيران الكيماوية على رؤوس شعوب بأكملها، ألا وهي هذه الطائرات الكابوسية التي تخترق السماء بسرعة البرق.
التوراة، المعين الذي لا ينضب للثرثارين الكبار والصغار، تنعت النمرود مؤسس الإمبراطورية البابلية بـ"الصياد الباسل أمام الله". النمرود رغم بسالته المفرطة ودهائه ووحشيته لا يستطيع تصور فظاعة الأسلحة التي صنعتها، بعد آلاف السنين من عهده، التقنية الحديثة. المطاردات القاذفة الأشباح التي تبيعها القوى الحديثة للطغاة المعاصرين الوارثين الجديرين و"الصيادين البواسل" ستنجز مآثر جهنمية جديرة بعصر معدني وكيماوي وإلكتروني.
لكل نمرود نمرودٌ ونصف ! صدام تجاوز الحدود المرسومة من طرف دركي العالم لما احتل إمارة الكويت مستودع الثروة والبترول ورمزهما. الرئيس بوش استشاط غضبا وألب قوى العالم ضد المتمرد المتغطرس نمرود بابل الجديدة البعثية التكريتية. والشعب العراقي هو الذي احترق وليس صدام، الشعب العراقي هو الذي سيستمر في معاناة عواقب عرض القوة الأمريكية المرعبة الرهيبة.
السيد وليام كلينتون الملقب بيل كلينتون المتورط في فضائحه المخدعية، كان بدوره على وشك إشعال حريق كبير في الشرق الأوسط في نهاية شهر فبراير  من سنة 1998.
جولته ضد صدام، المسماة "رعد الصحراء " قبل ولادتها أجهضت، ولا يمكن لها أن تطمح إلى الدناءة التاريخية لعاصفة سلفه الذائع الصيت "الرجلِ المهذبِ" الآتي من تكساس : جورج بوش.
صدام بسياساته الدونكشوطية وخططه المؤدية إلى الهاوية عرَّض نفسه وأعطى الذريعة للرئيس بوش الذي أشفى غليله من العرب المسلمين سنة 1991. نفس الخطة كادت تبيح للرئيس كلنتون أن يقذف بدوره حممه ضد بغداد، بغداد الشهيدة.
مررنا بجانب الكارثة التي رأيناها آتية، وغطى العالم أجمع، باستثناء الإدارة الأمريكية، وجهه  حتى لا يشاهد وقوعها. المعارضة الحازمة لروسيا والصين والموقف الذي اتخذه الرئيس شيراك هيأ الميدان للتدخل الشجاع والحكيم للكاتب العام للأمم المتحدة الإفريقي كوفي عنان. هل هو تحول في الدبلوماسية العالمية وصفحة جديدة  في تاريخ الأمم المتحدة  الباهت لحد الآن؟ هل التفكير المتعقل للحساب الاستراتيجي المنسجم مع موجة السخط على عقلية راعي البقر صاحب الزناد السريع والذي يرمي بسرعة أخف من ظله هما اللذان أحبطا مناورة دركي العالم وأنقذا العرب والشعب العراقي من مأساة ثانية؟
على كل حال فإن وحش  بغداد الذي خرج مرفوع الرأس من القبضة الحديدية لازال هناك، متمتِّعاً بمكانته وأمواله وقصوره وشراسته. على أي حال فإن جنون العظمة للزعيم البعثي، وحش العنف، سيتسع نطاقه، وإن الشعوب العربية التي هزتها، لحظة، الضربة الأمريكية المرتقبة الفاشلة، سرعان ما ستسقط في اللامبالاة، متفرجة لاهية بالإنجازات المسرحية للرؤساء المستكبرين الذين يكشرون في وجه العدو أمام الناس لكي يخرّوا رُكّعا أمام حذاء الأقوى في الكواليس. الرئيس الأمريكي يقبل التسوية المحبوكة من طرف الكاتب العام للأمم المتحدة. الجيوش وحاملات الطائرات تبقى في عين المكان تراقب المشهد جيدا، ناصبة سلاحها، مستعدة لضربة انتقامية خاطفة انفرادية في حالة ما إذا حاول صدام أن يظهر أدنى مقاومة لإرادة الولايات المتحدة الأمريكية المرعبة. مستعدون لتدمير بغداد،  بغداد الشهيدة، لتلقين معنى الكلام للمستبدين ذوي الرؤوس اليابسة. الحلفاء العرب للولايات المتحدة الأمريكية رغم انقيادهم وسخائهم ليسوا أهلا للثقة، ولاهم قادرون على حماية "المصالح الوطنية" لأمريكا. ألم يبدأ الشارع العربي في التحرك والهيجان مع اقتراب الحدود الحاسمة للمشروع المجهَض؟
الواقع المر هو أن إسرائيل، الولاية الأمريكية الحادية والخمســـون، تبقى المحور الواحد والوحيد الذي تدور وستدور حوله، ولسنوات، إستراتيجية القوة العالمية العظمى. أي هيجان في الشارع، وأي علاج تكتيكي مؤقت لا يستطيع زعزعة استيلاء الولايات المتحدة الأمريكيـــــة على بترول العرب ما دام العرب لم يعلنوا عن إسلامهم، وما داموا لم يعترفوا بيتمهم على السـاحة العالمية ما داموا لا يعتمدون على المساندة والنصرة والتطوع الفعـال لإخوانهم في الإسلام.
*       *       *
تقنية التسلح الحديثة، مثل التكنولوجيا بصفة عامة، بعيدة كل البعد عن كونها وسيلة في خدمة السلم في العالم أو أداة للدفاع عنه وعن حرية الإنسان. صارت تقنية التسلح أكثر تطوراً ليزيد تدميرها للإنسان وإرهابها للبشرية. الألغام المضادة للأشخاص، هذه المنتجات الجهنمية المدسوسة تحت الأرض، تبتر رجل الطفل الذي يلهو وهو في طريقه إلى المدرسة، أو تبقر بطن الفلاح المشتغل في حقله. أدوات الموت هاته والتي تباع بثمن بخس لا يمكن إبطال مفعولها إلا بواسطة نفقات باهظة يرفض الغرب دفعها.
ألغام قاتلة تحت التراب وطيور نارية محلقة في السماء : لم يكن قط تحت تصرف العنف البشري هذا القدر من الأسلحة الباهظة الثمن والتي يتفضل بها على خُدَّامه غرب حديث مُتاجر عالمي في المدافع.
*       *       *
أيتها الديمقراطية الحديثة العزيزة علي! أنت الحياة، أنت الموت!
أنت الموت الخفي الذي اعتقدت البشرية رؤيته على شاشات تلفازها لما حلقت فوق بغداد الطائرات الخفية (والوهمية حسب الشهادة العمياء والبكماء لرادارات بغداد). بغداد الشهيدة! يا  لتعاسة سكان بغداد !يا لتعاسة الثوار بجـنوب بغداد، المسحوقين بعنف طاغية بـغداد بعد حريق بغداد!
أنت الحياة عندما لا تكتفين بالكلام وعندما ينتظم أبناؤك وبناتك من الغرب ومن أماكن أخرى في منظمات غير حكومية للتنديد بإرهاب الدولة، وللدفاع عن حقوق الإنسان والبيئة. نحن معك، أيها الشعار المتعدد الألوان، عندما يحفز أبناءَك وبناتِك مثاليةٌ نبيلة فيحتجون ويعبرون عن غضبهم مجندين موارد غنية معنوية ومادية لمساعدة ضحايا الحداثة القاسية.
نحن معكِ أيتها النفوس الخيرة عندما تنتفضين ضد منفذي الأعمال الوضيعة التي تحرض عليها قوى العصر أو تثيرها القوى الصغرى المحلية الشيطانية. نحن معكِ، نحن الأوفياء للإسلام، وسنكون معكِ أكثر فأكثر، نحن الأتباعَ المومنين إيمان أبينا إبراهيم محطمِ الأصنام الصادعِ بالحق. نمد لكم اليد، أيتها النفوس المتآخية في الإنسانية، مهما كانت اعتقاداتكم ما دامت الرحمة الإنسانية والمحبة لبني البشر تنعش قلوبكم وأعمالكم.
إننا وسنبقى دائما على استعداد، وكلنا عزم وثقة في رحمة الله عز وجل، لمد اليد إلى الرجال والنساء ذوي الإرادة الطيبة والاستعداد النبيل. سنبقى كذلك حتى نعقد ميثاق عدم الاعتداء على الإنسان وعلى كرامة الإنسان، ميثاق رفق شامل بالإنسان وبأمن الإنسان، ميثاق رفق فعال ونشيط وباذل. إننا كذلك حتى نقضي على الإقصاء والحقد العنصري واحتقار خلق الله عز وجل والعنف على الإنسان والوسط الحيوي للإنسان.
المقصود أن نعقد ميثاق تعاون بين الناس من خلال المؤسسات المكونة من طرف الدولة أو عبر قنوات لا تتحكم فيها السلطات الرسمية. تلك هي غايتنا الإحسانية المرتبطة ارتباطا وثيقا بغايتنا في الكمال الروحي. هذه الغاية المزدوجة والمتماسكة في رسالة الإسلام تأمر بها شريعة الإسلام بوضوح، شريعة دعا إليها وتحرك من أجلها بقوة أهل الله بامتياز: رسل الله عز وجل.
إن مشروع حلف إنساني عالمي يبقى حلما وهذيانا في حال عدم التوازن الفاضح الحالي بين الشمال والجنوب. ويظهر أن القضية المقدسة لحرية الإنسان والحفظ الجميل والنبيل لكرامة الإنسان ستبقى أمرا غريبا عندما يدافع عنها إسلامي متهم مبدئياً بمسؤوليته عن المجزرة التي لا توصف المقترفة في الجزائر. إذا لم تجن يداك فقد جنت يدا أخيك[1].
إن الدفاع عن حرية الإنسان وكرامته مشروع المستقبل وقضية مقدسة. وسِّعوا مجال الآمال ومدِّدوا المثال الأعلى على المدى البعيد وعلى مسار واسع وستُطلون على الأفق الذي رسمه رسل الله، كل واحد لقومه ولزمانه، ورسمه محمد عليه الصلاة والسلام للعالمين وإلى يوم القيامة.   الرسالة النبوية يتردد صداها عبر الزمن لدعوة الناس وتذكيرهم أنهم إخوة ومخلوقات لله وحده. رسالة تُرَجَّعُ وتتمدد عبر الزمان والمكان لتنبِّه إلى الأخطاء المعادة والذنوب المتكررة والانحرافات الخطيرة والاضطرابات المعنوية والأمراض الاجتماعية.
إنَّ تبليغ رسالة الإسلام ونشر قيمه على المدى البعيد والأفق الواسع لمسار البشرية هو مطمح هذا الكتاب. لعله طموح مجنون لكفاءة متواضعة ومجهود محدود ومحجوز تحت الرقابة ! ؟
ننوي مع ذلك توضيح المفاهيم والغايات التي يمكن أن يشارك فيها المسلمون فيما بينهم  ويشاركوا فيها الناس ذوي الإرادات الطيبة، وننوي كذلك تعيين المكان والحدود التي يمكن أن ينمو فيها الوفاق وتتبدد فيها أسباب الشقاق بين الإسلام والحداثة. هذا إذا تكرمت الحداثة المغربة بإلقاء السمع للإصغاء إلى وجهة النظر غير الغربية. كم عانينا من صورة الإسلام التي تبثها وسائل الإعلام الغربية. آن الأوان، والحاجة ملحة، وفي وقت تفقد فيه الإنسانية إنسانيتها، أن تحل الكلمة الصادقة محل الشتائم، وأن تتوقف الدعاية المغذية للضغائن. ما الخلاف في الغالب إلا مولود غير شرعي لكلمة غامضة أو لنية سيئة.
*       *       *
فليأذن لي القارئ هنا بفتح قوسين لنشرع في كلام واضح صالح لتواصل خال من كل تشويش.
يصبح الخطاب هجينا حين نلزم كلمات لغة معينة حمل معاني لغة أخرى وعواطفها وقيمها. قد تكون اللغة المستعارة، اللغة الغربية التي يستعملها أحد إسلاميِّي نهاية القرن العشرين مثلا، عاجزة كل العجز عن التعبير عن البعد الروحي : إذا لم يكن ذلك ناتجا عن القصور الدلالي الأصلي، فقد يكمن، بكل بساطة، في ابتذال لغة معلمنة فقدت كفاءتها التعبيرية.
لتفادي كل غموض أو سوء تفاهم، ينبغي تحذير القارئ ولفت انتباهه إلى أن التفكيرَ في الإسلام والتعبيرَ عن مضمون الإسلام ورسالته بواسطة لغة معلمنة يعتبر مغامرة ثقافية غير سهلة. أما إذا كان الوسيط غير حاذق وغير متمرس باللغة المضيفة، فإن الأمر يصبح أكثر هشاشة. أن تأتمن           على رسالة الإسلام لغةً يعرف عالَمُها الدلالي والثقافي فرقا صارخا بل             معارضا للإسلام هو في حد ذاته شروع في عدم التفاهم وعدم التواصل. إن القيام بهذه المهمة دون تنبيه الطرفين إلى ضرورة التحلي بقدر كبير من التسامح يؤدي حتما إلى قطع خطوط الاتصال وإلى رفض الاستقبال[2].
لذلك فمن الصواب إعداد هامش من الثقة وفضاء من التسامح ابتداء من هذه المقدمة. من الحكمة احتمال سلامة الطوية لدى الإسلامي عندما يستعمل كلمة قوية وربما ليست في موضعها نظرا لعدم ثباته على أرضية دلالية وثقافية غربية. لماذا يكون بالضرورة ضد الأشخاص والأمم والشعوب عندما يتحفظ  على الحداثة؟  ربما لا يخفى العنف اللفظي إلا شفقة لا حد لها أمام الأضرار التي تلحقها الحداثة بالإنسان! ؟.
إنه من قلة النزاهة الفكرية عدم ترتيب هذا الهامش من الثقة وعدم افتراض الاستقامة والنزاهة لدى الآخر. إنه برهان على الوهن الفكري إلباس الآخر نقائص أودعها في مخيلتنا ضيق صدرنا وأحكامنا المسبقة.
حذار من فخ الاشتقاق اللغوي غير الدقيق خاصة، إنه قبر التواصل ! إن الكلمات التي يساء استعمالها أو فهمها أو كتابتها أفخاخ قاتلة ! .
أحتفظ في هذا المكتوب على الإملاء المستعمل في الفرنسية للإشارة إلى الشخصيات المقدسة : نوح، إبراهيم، موسى، هارون وعيسى، على أنبياء الله تعالى الصلاة والسلام، رغم أنني أعلم أن هذا الإملاء يحمل علامة ودلالات التوراة التي تسللت قديما إلى اللغة الفرنسية خلال القرون التي كانت لاتينية الكنيسة الكاثوليكية المرجع الوحيد لبنت الكنيسة  البكر فرنسا. أكتفي بالإملاء دون أخذ الدلالات التوراتية المنسوبة إلى هذه الشخصيات العظيمة. هذه الدلالات التي لا تمت بصلة إلى الوحي القرآني. هذيان اليهود وإضافات الحاخامات تقبع في مكانها. ونحتفظ بالإملاء لتيسير التواصل. إن الشتائم التي كيلت لأنبياء التوراة لا تستحق التوقف عندها. إن اليد التي صورت نمرود بأوصاف "الصياد الباسل أمام الإله الخالد" هي نفس اليد التي تروج الشتائم في حق أنبياء الله المحاربين الاستبدادَ النمرودي والمحطمين الأصنام.
*       *       *
أما القرآن فيقدم لنا أنبياء الله عز وجل في صورة نماذج عليا للفضيلة وقدوات ينبغي اتباعها، وتجسيد متكرر للكمال الروحي، كما يليق بمن ائتمنهم الله عز وجل على رسالة نبيلة، وسطاءَ بين الخالق والناس. هؤلاء الرسل بشر لا ينسلخون عن بشريتهم، لكن قلوبهم وأرواحهم وأفعالهم تهتدي بنور الله. لا علاقة لهم بالصورة التي تعرضها العقيدة النصرانية وتعاليم الأناجيل التي تؤله عيسى بن مريم العذراء عليها وعلى نبي الله عيسى بن مريم أزكى السلام.
قصة موسى تتكرر في القرآن الكريم وتستحق منا التدبر. هو أحد الأنبياء الخمسة أولي العزم. الأربعة الآخرون هم : نوح وإبراهيم وعيسى ومحمد، على أولى العزم من الرسل الصلاة والسـلام. نجَّى الله موسى من اليم بعد أن ألقته أمه فيه خوفا من أن يذَبِّحه فرعون كما كان يذبح أبناء بني إسرائيل. التقطته امرأة فرعون وتربى في قصر فرعون. اصطفاه الله منذ الأزل لمهمة عظمى، وتلقى بركة الوحي وتميز عن الأنبياء بتكليم الله له على طور سيناء.
بلغ موسى رسالته إلى فرعون، فكذب واستكبر. لم تكن مصر فرعون الفيلسوفة والمثقفة تشبه آنذاك بلاد ما بين النهرين ذات النظام العسكري الخشن، نظام نمرود. كان نمرود حارس لوحات القانون الصارمة، طبق الصرامة الإدارية والقانونية بإشعال المحرقة لإبراهيم، أما فرعون فكان أبعد نظرا من نمرود حين حشر مثقفي عصره الملتفين حول البلاط السحرة الأطباءَ المحنِّطين الكهنةَ لإفحام موسى. فهزم موسى الجمع بإلقاء العصا المعجزة التي أمدته بها العناية الإلهية. فسجد السحرة أجمعون وآمنوا بموسى وبمعجزته التي عَرَّت زيف البشر. وكان على فرعون أن يشرب كأس الغم حتى الثمالة. فرعون الذي نصب نفسه إلها على مصر وسيدا للنيل يشهد أوامرَه يُستهزأ بها وسحرتَه تقطع أيديهم وأرجلهم  ويصلبون في جذوع النخل ولا ينقضون بيعتهم لموسى ولرب موسى. هذه مذلة لا تحتمل !
يقص علينا القرآن الاستعلاء والاستكبار الفرعوني و الاستكبار النمرودي المهلك الذي واجهه رسل الله تعالى، ناصرين دين الرب القوي العزيز الذي يلهمهم يقينا مطلقا في حمايته تعالى لهم. إنه نفس المشهد الذي يتكرر على مر عصور التاريخ القديم والذي يقصه القرآن العظيم وبتفصيل دقيق حتى يعتبر به المومنون عبر العصور التي تأتي بعد زمن الأنبياء.
فلتُعتصَر قلوب المرتابين الذين نهشهم الشك ! ويبقى المومنون ثابتين أمام التهديد بينما ينفق "المرنون" كل ما ادخروا من لباقة أو يبالغون في الركوع لنيل رضى عظماء هذا العالم.
للاقتداء والاهتداء قص علينا كتاب الله تعالى، وبتفصيل، عزم أنبياء الله وأهل الله وصبرهم. كان فرار موسى على رأس قومه انسحابا اضطراريا ولم يكن ضعفا ولا خيانة للأمانة. كانت الهجرة التي طالما  احتفت بها التوراة واحتفى بها القرآن حدثا تاريخيا بالغ الأهمية بالنسبة لشعب إسرائيل، عظيم المغزى لتجلِّي القدرة الإلهية بشكل معجز : البحر الأحمر الذي انفلق أمام الفارين وأغرق بعد ذلك فرعون وجنوده هو بالنسبة لنا حدث تاريخي  ثابت لا مجرد مثال ورمز للرحمة الإلهية والعناية الربانية برسل الله العلي القدير.
كانت السفينة خشبة النجاة لنوح وللفئة القليلة التي اتبعته من المومنين. نجا إبراهيم من النار بمعجزة بينة. عبر موسى وقومه البحر الأحمر مشاة. وأنقذت عناية الله محمدا صلى الله عليه وسلم أثناء هجرته متمثلة في عنكبوت نسجت بيتها وغطت بنسيجها الشفاف مدخل الغار حيث كـان يختبئ النبي صلى الله عليه وسلم عن مطارديه. لا أدري أي استثنــاء جعل عيســى بن مريم مخلِّصا لا مُنقَذا ! الحقيقة تتلى في القرآن. يخبرنا الله أن شبها  لعيسى حــل محل عيسى عليه السلام بشكل معجز أمام المتآمرين اليهود الذين اعتقـدوا أنهم يصلبون عيسى.
أنقذه الله كما أنقذ إخوانه، ورفعه إليه. لكن قطعا للجدل، فلأهل الكتاب نصيب من تسامحنا المكتوم.
نذكر بإلحاح بمعرض رسل الله الذي يرسمه أمامنا النص القرآني ليلفت مخيلتنا إلى رمزية الشجاعة والفداء. هذه الرمزية الغنية بالمعاني سند معنوي لنا كي لا ننحني بسبب ضعفنا البشري أمام التهديد، ولكَيْلاَ تتزعزع بالشك ثقتنا في الله. إن أحداث التاريخ النبوي المروية في القرآن العظيم دعوة إلى التدبر والاقتداء والعمل. إما أن نتأسى بهذه القدوات المؤثرة أو نختار الغرق في غثاء الحياة والذوبان في التفاهة. إما أن نؤدي واجبنا كإنسان حر ومسؤول أو نعاني كالعاجز المنغمس في حياة الخمول.
تمر الأجيال، وتمضي الحضارات، وينقضي تاريخ الحروب والإمبراطوريات، وسيمضي العصر الحديث، عصر الخوف الأكبر والحيرة الكبرى، عصر أكبر الإنجازات العلمية والتكنولوجية! ماذا سيحدث لي أنا التعس الفاني ؟ ما مصيري بعد الموت ؟ ما مغزى رحلتي العابرة في الدنيا ؟ هل تكون لي القدوات المؤثرة لعباد الله تعالى الكمل نقطة ارتكاز أو أعرض عنها تاركا أيامي تنفرط في التفاهة اليومية؟
يبدأ تسليم الحداثة بصرخة تحذير موجهة للإنسان الحديث الذي يبتُرُ هم الفانية جزءا من حياته. تسليم الحداثة يعني إيقاظه من سباته ومنعه من التعثر والسقوط في حضيض  العبث الذي يتربص به كل حين. إن الضحية المسكين يتعثر بالفعل ويسقط ويغرق في الحضيض.
إن يد النجدة للقدوات الكاملة عباد الله الكمل رسل الله تمتد للإغاثة: هذه اليد الرمز، هذه اليد المثال التي ينبغي الاقتداء بها في سلوك حياتنا الفردية والجماعية، في موقفنا الأخلاقي وموقفنا السياسي هي الملاذ الوحيد القادر على أن يكون حبل النجاة للسفن الغارقة.
*       *       *
لتسقط إذن الكلمات المفخخة الشوهاء، الكلمات المزيفة مثل لفظة "رولجيون" التي تفوح منها رائحة الكاثوليكية المعلمنة. إن النصيحة بأن ندع لقيصر ما لقيصر، المنسوبة حقا أو باطلا لعيسى عليه السلام، لَحِقَ بها شعار الثورة الفرنسية "لنشنق آخر نبيل بأمعاء آخر قسيس". حتى نصفي حسابنا مع كلمة "رولجيون" نحتاج إلى حذر شديد من هذه الكلمات التي أفرغتها من مضمونها العلمانية الأوروبية واللاييكية الفرنسية.
ليس الإسلام "رولجيون" بالمعنى الناقص والسافل للكلمة، لكنه استسلام لله خالقنا. ليس الإسلام "رولجيون"، بل هو خضوع للشرع المنزل. الإسلام مشاركة كاملة وعازمة في الحياة الإنسانية، في التاريخ الإنساني وفي الحدث الإنساني. الأنبياء الأعمدة، الأنبياء القدوات، الأنبياء الرموز، الأنبياء الخاضعون لله المهيمن طائعين له ساهموا في التاريخ البشري بثقة وتحت رعاية الله عز وجل.
هؤلاء الأنبياء كانوا مشاهير تاريخيين لامعين. لنتأكدَ من ذلك نقرأ القرآن ولو مرة واحدة في العمر إن استطعنا أن نظفر بلحظة من الراحة وسط الضجيج الحديث. لنقرأه إن استطعنا اختلاس فترة عزلة من فضول وسائل الإعلام الحديثة. لنقرأه إن تركت لنا لحظةَ حريةٍ شبكاتُ الإنترنيت وأفلتنا من اكتظاظها المعلوماتي وسمحت لنا باستنشاق النسيم العليل وبالسير في حياتنا كما نريد لا على هوى الحداثة المجنونة التي تبرمجنا كما تبرمج الربوط الآلي.
لنقرأ القرآن حتى نرتاح من الهذيان العلماني اللاييكي الذي يعلم الناس أن الإسلام لا علاقة له بالسياسة. القرآن العظيم يقول لنا عكس ذلك، ويصور لنا نوحا وإبراهيم وموسى ومحمدا صلى الله عليهم وسلم وهم في جهاد مع قضايا عصرهم. يظهرهم لنا وهم في مواجهة مباشرة مع الحدث السياسي  في عصرهم، في صراع وعراك منظم ضد الاستبداد والظلم في عصرهم. هؤلاء هم الإسلام، الإسلام هو طاعتهم للواحد الأحد، الإسلام هو حركتهم، الإسلام هو نياتهم وأعمالهم، الإسلام هو وفاؤهم وتعظيمهم لشرع الله الموحى به إليهم.
القدوة الكاملة، خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، يبلغنا الرسالة التي تتضمن الشريعة النهائية والخاتمة التي وقعها الله العليم على سجل الخلق طابَعاً معتمداً، جوازَ نجاةٍ للفرد والمجتمع البشريين العابرين على متن هذه السفينة المبحرة التي هي عالمنا وأرضنا ووقتنا وحضارتنا.
القرآن، هذه الوثيقة التي لا تماثلها وثيقة في أصالتها، دُونت في حياة النبي وبإملائه. وجُمع ثم خضع لدراسة نقدية أثناء جمعه. القرآن حاضر، كلمة ربانية حية، رسالة وشريعة، تاريخ ومساهمة، عدل وإحسان، سياسة وجهاد[3].
تمر الأنماط والنماذج البشرية، ويبقى القرآن محفوظا.
تنقضي الأقوال البشرية والثقافات الشعبية، ويشهد القرآن بالحق المطلق. تتلاشى اللغات وأساليب التعبير، ويبقى الخطاب القرآني يخاطب دائما قلوب البشر وعقولهم.
تُنسى أفراح الإنسان وأتراحه، وينقش القصص القرآني في ذاكرة المؤمنين ذكرى التاريخ المقدس الذي لا يمحى : تاريخ الرجال الذين يرسلهم الله ليشهدوا في الأرض على وحدانيته تعالى في حياتهم وبعد مماتهم، طائعين لله، مشاركين في المغامرة الشاقة على الأرض.
تتتابع وتمحى وتزول الأفكار والمفاهيم الإنسانية، ويعلن القرآن الحق مجيبا وحده عن التساؤل العميق والأساسي للعنصر البشري : من أنا ؟ إلى أين أسير ؟ ما هي الحياة؟ ما هو الموت؟
تغيب وتظهر التحولات، و"تتفتح مائة زهرة" في البستان الثقافي للفنون والآداب، توضع ألف نظرية فلسفية تدحض الواحدة منها الأخرى، ولا شيء من كل هذا يحمل جوابا عن السؤال الجوهري حول سر الوجود، الجواب الذي تبحث عنه الحداثة بشوق وبدون جدوى، والذي يحمله القرآن وحده.
تتطور العلوم بخطى عملاقة، وتغزو التكنولوجيات، بنات العلوم، حياة البشر حاملة معها ألعاب السوق العالمي الصاخبة والمرعبة، لكن الإنسان يغرق أكثر فأكثر في الجهل بمعنى وجوده، والقرآن وحده قادر على انتشاله.
الأدوات التقنية، نسل التكنولوجيا المتكاثر، والآلات الرهيبة بين يدي الناس، لم تسمح لهم حتى بضمان حياة مادية لائقة ونظيفة للجميع، ولم تساعدهم على شق طريق نحو معنى الحياة الدنيا. القرآن وحده، الكنز المجهول، قادر على الهداية إلى سبيل النجاة.
*       *       *
تطير التكنولوجيا من ثورة إلى ثورة. الأنترنيت، الأداة الثمينة للتواصل ونشر المعلومات العلمية، هو كذلك وسيلة لنقل كل أنواع الأذى.
تقلص شبكات الاتصال المتعددة حَيِّز التساؤل الجوهري إلى نصيب ضئيل لتثقل حياة الناس بالتوافه، لتقبرهم تحت ركام من المعلومات التافهة ولتغرقهم في سيل جارف من الأفكار الجاهزة.
هذه الشبكات المتطورة جدا، والتي يسهل أكثر فأكثر ولوجها، تميّع المعارف وتضع في خدمة الناس ما به يخدع بعضهم بعضا بواسطة تبادل المنوعات الجاهزة ذات الأصوات المتنافرة وبسعر رخيص. هذا إن لم يُلقِ مواطن عالم الإنترنيت، البحَّار الملهوف، حبال سفينته في إحدى حفر الخلاعة أو في أحد أوكار المافيا.
الإنسان الحديث يجْهَد في خدمة ما يستهلك أمواله ووقته وزبدة حياته بعينها. يوفِّر أمواله أقل فأقل، ويًبذِّرُ وقته أكثر فأكثر. ألم يعلنوا عن أساليب ثورية تمكن الإنسان من تبديد حياته وتفتيت أيامه ولياليه في دقدقة الجهاز السحري الذي يقتصد في وقت الجميع بواسطة تبذير وقت كل واحد منهم؟  يبدو أن الهاتف المحمول سيقوم بدور الحاسوب وسيوزع الإنترنيت على الخط الكهربائي. وماذا بعد؟
أغنياء الشمال يمتلكون كل التسهيلات لتقديم حياتهم قربانا للشهوة، زبائن خاضعين للسوق الاستهلاكية أو مدمنين على إحدى وسائل التخدير. ضحايا آخرون للحداثة، ضحايا الجنوب، لهم من هذه الوسائل التي تتكرم بها عليهم الحداثة ما ينهك رأسمال حياتهم في البؤس الأسود. يموت منكوبو الجنوب في الحقد والبغض وهم يتخدرون بثمن بخس أو يقيسون حقارتهم بالتأمل في ثروات المترفين المعروضة.
إن حياة الإنسان الحديث مشتتة وبئيسة. بؤسه ملموس ومحسوب رغم أنه في بعض الأحيان يبقى مخفيا وخارج نطاق الوعي. أعظم أنواع البؤس لدى الناس ضحايا الحداثة العيش في المغالطة و"الحقائق" المزورة.
القرآن، الكلمة الربانية، هو الحق في خدمة من يريد بل من يقدر ويجرؤ في هذه الأزمنة القاحلة روحيا على فتح المصحف الكريم ويحاول قراءته. الإسلام ضدٌّ للجهل.
قد يصعب عليك بالتأكيد فعل ذلك، أخي الرجل، أختي المرأة، كيفما كان وفاؤك الإيديولوجي ودينك وانتماؤك السياسي، لأنك موزع بين ألف انشغال، شارد الفكر دائما، حزين باستمرار، متحرر من المشاغل نادرا. أتمسك باقتراحي عليك فتح القرآن، فقد يصادف فتحك المصحف الكريم وقتا مباركا أو يطفو على السطح ذلك القلق الذي يسكننا جميعا وندفعه حتى نستسلم لعدم المبالاة. قد يدفعك ذلك إلى إلقاء السمع  وإلى الإصغاء إلى الرسالة. اقرأ منه صفحة، صفحة واحدة ! قد تجد فيها جوابا عن سؤال يطرحه عليك بانتظام صوت حميم.
*       *       *
يعالج هذا الكتاب هذه الأسئلة بالضبط التي يطرحها هذا الكائن الحميم على كل واحد منا. سيسائل الحداثة أيضا عن نظرتها إلى العلم وإلى المال وإلى الحكم. لكن قبل ذلك فليساير بعضنا البعض في المشترك بيننا حتى نتواصل جيدا. فلنشترك، سعيا لتواصل مثمر، في الإصغاء بخشوع إلى صوتنا الحميم وإلى استعدادنا الفطري لتَلقِّي الرسالة الإلهية التي تخبرنا عن النبإ العظيم.
لنكتشف حقيقة الوجود في سورة الروم. هذه السورة، وكسائر السور، تضع الإنسان على مسرح الحياة، حيث تتلاحق المشاهد حسب إيقاع أيام كل واحد منا ولياليه. كل واحد حر في أن يختار كيف يحقق خسرانه أو فلاحه. ينادي القرآن في مقدمة المشهد الممثل النموذج (أنا، أو أنت، كما هو الحال هنا، أو هو أو هي) موضحا له حريته في الاختيار بين دورين، مقترحا عليه إمكانية، مانحا إياه جزاء، ملخصا له حياته الشخصية : الحياة ثم الموت ثم وراء ستار الموت المرخي عالم آخر، حياة أخرى : الحياة الحقيقية.
يقول الخالق سبحانه :
] فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون. وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون. يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من  الحي ويحي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون . ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون. ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم  أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون. ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين . ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون. ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء  ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون . ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون. وله من في السماوات والأرض كل له قانتون . وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم. ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون [ [4].
*       *       *
بعد أن عرضنا الأمثال التي هي أساس ثقافة المحاور الإسلامي للحداثة، قضينا وقتا من الصفاء في سماع فطرتنا للرجوع إلى النبع بغية تواصل عميق. نواصل سعينا في التفاهم المتبادل على امتداد هذا الكتاب الذي أرجو أن يساهم في تأسيس حوار بين عالمين : عالم الحداثة وعالم الإسلام. من الضروري الإجابة إذن عن أسئلة نراها ضرورية في هذا الإطار.
ما معنى تسليم الحداثة ؟
كيف تسليم الحداثة ؟




[1] - حتى لو كان هذا الأخ المزعوم مجرد مرتزق في خدمة العصابة الحزبية العسكرية أو مجرد جزار وحشي متنكر في لباس محارب، حليقا كان أو ملتحيا بلحية مستعارة.
[2] - أوضح مثال للخطر المحدق بالحوار بين الإسلاميين واللاييكيين المسلمين وبالتواصل بين الثقافات هو محاكمة اللاييكي للإسلاميَّ كلما حاول هذا الأخير البحث عن معبر أو انتقاء كلمة. ينسب الأول للثاني جميع أنواع النوايا السوداء إما بسبب جهله بلغته الأم أو بسبب نية مبيتة وتحامل سياسي. حقا، لقد خاطبت بشيء من الصراحة المثقفين الديمقراطيين في بلدي ناعتا إياهم بـ"الفضلاء". "فضلاء" في عربية كل العصور تعني متعلمين، علماء، مثقفين. كلا ! إنك تشتمني، وتمرغني في الوحل، وتلوث شرفي، وتعتدي على كرامتي كمناضل وعلى وطنيتي حين تخاطبني بـ"فضلاء" ! ! ! !
[3] - للمزيد من الاطلاع، اقرأ كتاب موريس بوكاي : "التوراة والقرآن والعلم"، دارSeghers  للنشر، 1976.
[4] - سورة الروم الآيات 16 إلى 27.