الدليل بحث بطاقات محول التاريخ 
  • RSS
  • Youtube
  • Google+

العدل : الإسلاميون والحكم

الحياة الطيبة

أصبحت المرأة، وحرية المرأة، وعمل المرأة، ومظلومية المرأة، رِهاناً في سوق السياسة حيثما برزت الحركة الإسلامية والتف حولها الشعب. الإسلام متهم في هذه السوق بأنه عدوُّ المرأة. بل إن أوَّلَ ما يُذكَر في وسائل الإعلام الغربية المعادية "للتطرف الديني" هو التهديد الذي يشكله "الأصوليون" على مستقبل المرأة.
ولعل بعضنا قبل أن ينبريَ للرد والدفاع، وقبل أن يدخل إلى قـاعة الجدل، يخلَع عنه ثوب إيمانه بالله وباليوم الآخر ليتكلم عن "المرأة في الإسلام" بمقدمات منهجية مادية وبوسائل منهجية ليس فيها رائحـة الإيمان بالله وباليوم الآخر. فإن كان بعضنا يفعل ذلك تنزلا ليدحض حجة عقلية قانونية بمثلها متجنبا "الغيبيات" التي يخشى أن يمسكه منها الآخـر فهي هزيمـة وتضييع للدعوة. وإن كان يفعل لغفلة قلبية وسطحية في الدين أو رِقة فهي كارثة.
هل غشَّى قلوبَ بعضنا سَخامٌ من عِشرة المظلمةِ قلوبُهم؟ أم أن إسلامنا أَمْسَى إديولوجية عصرية متطورة لا مكان فيها لذكر الله واليوم الآخر؟
إن المرأة كالرجل مُنادَيان في القرآن على السواء للعمل الصالح والجزاء الوِفاقِ في الدنيا والآخرة. وإنهما نقطتان تميِّـزان مُنطلقنا في الحياة والفكر والسعي عن منطلَق الذين كفروا: الإيمانُ بالله وباليوم الآخر، ثم معنى مرور الإنسان من الدنيا. ومن العبث أن يظن ظان أننا بنزولنا إلى أرضية الماديّين لنقارعهم عليها ننال منهم شيئا. بل نتعرض للانجراف والانحراف.ففي منطقهم الدائر حول الحياة الدنيا،لا يومنون بالبعث، تكون اللذة والمتعة و"السعادة" هي المَطلَبَ لا غيرُ، وتكون المرأة والحرية في الزنى بلا حدود، والإجهاض وسائر "المكتسبات" الإباحية هي قمةَ الحضارة. وهذا منطق دوابيٌّ متماسِك.
واجب المومنين والمومنات أن يتحرروا من عقدة السكوت المَهينِ النفاقي عن قول الحق، وأن يتحرروا من الدائرة المغلقـة الجدلية التي يفرض علينا بمقتضاها طرْحُهم لقضايا المـرأة وكل القضايا شكْلَ الإجابة ومستواها وحدودها.
واجبنا إن كنا نومن بالله عز وجل وبمصيرنا إليه أن نبتدئ نحن بإخبار المسلمات والمسلمين بما أنزل رب العالمين. وإن كان في إيماننا باليوم الآخر مَنزَع لتشكيك المشككين فما نحن بالمومنين. القرآنُ "فيه هدىً للمتقين الذين يومنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. والذين يومنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون".[1] الإيقان درجة عالية من الإيمان. الإيقان أن تكون الآخرة نصْبَ عينـك كأنها رأيَ العين. كيف يُكتسب هذا الإيقان أيها الأحباب؟ كيف يَنْتَسِبُ إلى القـرآن وهديه من يغيب عنه ذكر الله ولقاؤه لحظة؟ حتى إذا حصل، والإنسان ينسى، فزِعَ ورجع وتَاب.
وعد الله تعالى أيها الأخ وأيتها الأخت الحياة الطيبة من عمل صالحا وهو مومن. قال جل شأنه: "من عمل صالحا من ذكر وأنثى وهو مومن فلَنُحْيِيَنَّه حياة طيبة ولنجزينهم أجرَهم بأحسن الذي كانوا يعملون".[2] كونك رجلا أو امرأة ينوِّعُ شكل ابتلائك وامتحانك واختبـارك في دار الامتحان هذه الدنيا. لكن جنسك لا يغير من جوهر الجزائية والمصيرية إلى الله عز وجل شيئا.
الحياة الطيبةُ جزاءُ المومن والمومنة هنا إن عملا صالحا وأقاما شرع الله في علاقاتهما. والحياة الطيبة في الجنة هي الجـزاء الأوفى الأبقى. يتغير كل شيء في فكر المرأة والرجل وسلوكهما إن آمنا باليوم الآخـر. وتنقلب دولتهما النفسية العقلية إن قويَ هذا الإيمان فصـار يقينا. ذلك هو السبيل لدحض مغريات الفتنة الإباحية لا الدفاع الفكري المقارِنُ لجزئيات حجاب المسلمة وتعدد الزوجات وسائر ما يَنْقِمُه أعداء الدين على الدين من جراء انتهاك المسلمين لحقوق المرأة بالفعل، أو من جراء التحامُل والهيمنة الثقافية المادية التي تجعل المرأة موضوع الشهوة المباحة، وزبونَةَ صناعات التجميل، ومحور الفن الخلاعي، ومُدِرَّةَ الأموال على صناع اللهو، ودميةَ الرجل.
الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة لمن آمن وعمل صالحا من ذكر أو أنثى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يظلم المومنَ حسنة، يُعطَى بها في الدنيا، ويُثاب عليها في الآخرة. وأما الكافِر فيُطعَم بحسناته في الدنيا، حتى إذا أفضَى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يُعْطَى بها خيرا". رواه الإمامان أحمد ومسلم عن أنس رضي الله عنه.
في الدنيا يتواصَلُ المومن والمومنة بكلمة الله، فتلك الحياة الطيبة."والطيبات للطيبين".[3] المرأة الصالحة للرجل الصالح نعمة ما مثلها نعمة: يتعاونان على دنياهما وأخراهما."الدنيا متاع (أي امتداد قصير)، وخير متاعها المرأة الصالحة". حديث نبوي رواه مسلم والنسائي عن عبد الله بن عمرو.
طابت حياته وحياتها هنا لِمَا يَتَيَقَّنان من أنها عبورٌ إلى دار البقاء، فيأخذان نصيبَهما من نَعمة الدنيا دون أن يستعجلا ما هو من شأن الآخرة: النعيم المقيم. وباليقين المسبق والجزاء المحقق تطيبُ آخرتهما.
أما الذين كفروا فينادون يوم القيامة: "أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها. فاليوم تُجزَوْنَ عذاب الهُون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسُقون".[4]
ما بالُنا نتزَيَّن بلباس الإيمان خُفْيَةً ثم نَخِفُّ لنخلَعه عندما نجلس إلى مائدة الحضارة المستكبرة الفاسقة لنتنصَّل من وصمة "الغيبية"؟
للمرأة وخصوصية جنسها وجمالها وجاذبيتها معنى كونيٌّ مصيريٌّ، دنيوي أخروي، لا سبيلَ لإدراك حكمة الشرع فيما أمر ونهى بصـددها من دون استحضاره والاستبصار به.هذا المعنى هو أنها فَصُّ زينة الدنيا وملخَّصُ شهواتها للرجل، وملتقى أمانيه. فهي بذلك للرجل، وهو بذلك لها، السؤالُ العويصُ من بين أسئلة الامتحان.
التعلق الفطريُّ للذكر بالأنثى، وهيُامُ الرجل بجمال المرأة، وما تَغَنَّى به الشعراء في حبها، وما تقاتَل عليه الرجال لنيل رضاها أو لحيازة جسمها، إنما هو من أثر التزيين الإلهي المغروز في الفِطر، المجعولِ فيها فتنة واختبارا ليعلم الله من يخافه بالغيب، و"ليميزَ الله الخبيث من الطيب ويجعلَ الخبيث بعضَه على بعض، فيَرْكُمَه جميعا، فيجعلَه في جهنم. أولئك هم الخاسرون".[5]
زينَةٌ من الزينات هي المرأة، أعظمُها وأسبقُها. امتحان هي عسير لمن تجاوز حدود الله فيها فظلمها وهي الضعيفة، أو نَهَبَها وهي الجميلة، أو عبدَها وهي بشر.
كل ما على الأرض من زينة ابتلاء. قال الله عز وجل: "إنا جعلنا ما على الأرض زينةً لها لنبْلُوَهم أيُّهم أحسَنُ عملا".[6] لكن المرأة هي الزينة على السبق والإطلاق. فاختيار الغريزة الهابطة مسلكا معها انحطاطٌ إلى الحياة الدنيا. واختيارُ شرع الله في معاشرتها، واختيارُها هي شرعَ الله في نظام حياتها، شَرْطا استحقاق للحياة الطيبة دنيا وأخرى.
قال الله تعالى: "زُيِّنَ للناس حبُّ الشهوات من النساء والبنينَ والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسَوَّمة والأنعام والحرث. ذلك متاع الحياة الدنيا. والله عنده حسن المآب".[7] فجاءت المرأة على رأس قائمة شهوات الدنيا.
وجاءت المرأة عديلةَ الدنيا بأسرها في قول رسـول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الدنيا حلوةٌ خَضِرَةٌ.وإن الله مستخلفُكم فيها فينظُرُ كيف تعملون. فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء. فإن أولَ فتنة بني إسرائيل كانت في النساء". رواه الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
لهبوط إيماننا بالآخرة نجاري الماديين في حديثهم عن المرأة، وننـزلق إلى منطقهم طوعا أو كرها، ونجرد المرأة من معناها الوجودي لنتبارَى معهم ونقارِن المزايا التشريعية على بساط أرضيٍّ محض.وذلك عَمىً والعياذ بالله. قال الله عز وجل عن المشركين: "بل ادَّارَك علمُهم في الآخرة. بل هم في شك منها. بل هم منها عَمُونَ".[8] ادَّارَكَ: نزل إلى أسفل مستوىً. وكما يدَّاركُ العلم بالآخرة والإيمان بها إلى دركة العمى كذلك يرقَى إلى درجة اليقين. سؤالنا الدائم: كيف يرقى؟
لقد خاطب الله جلت عظمته المومنات بمعنى وجودهن في الدنيا، وبمعنى الدنيا،وبمصير الآخرة،حين أمر رسوله بتبليغ هذا البيان لنسائه بالأصالة ولنساء العالمين بالمثال فقال: "يأيها النبيء قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالَيْن أمتّعكن وأسرحكن سراحا جميلا. وإن كنتن تُردنَ الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما".[9]
بهذا البيان يجب أن نخاطب المرأة، ولا نترك أهل العقلانية والمادية والوجودية والتحررية يُملون علينا أسلوب الدعوة.
هو خيار مطروح للمرأة بين الدنيا والآخرة. إن اختارت الدنيا وزينتها وكفرت باليوم الآخر فعليها ما تولت من أوزار الحضارة المادية، تكون لعبتَها ودميتها وهي في الآخرة من الخاسرين. وإن هي اختارت الآخرة فلها نصيبها من الدنيا،وللرجل نصيبُه منها في كنف العفة والطهارة والمحبة والتآزر والتعاون على تعب الرحيل والعبور إلى دار البقاء. "إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون".[10]




[1] سورة البقرة، الآيات 1-3.
[2] سورة النحل، الآية 97.
[3] سورة النور، الآية 26.
[4] سورة الأحقاف، الآية 19.
[5] سورة الأنفال، الآية 37.
[6] سورة الكهف، الآية 7.
[7] سورة آل عمران، الآية 14.
[8] سورة النمل، الآية 68.
[9] سورة الأحزاب، الآيتان 28-29.
[10] سورة يونس، الآية 44.