الدليل بحث بطاقات محول التاريخ 
  • RSS
  • Youtube
  • Google+

الإحسان

الرضى بالقضاء

بسم الله الرحمن الرحيم. )إن ربنا لغفور شكور. الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب(. اللهم ارزقني حبك وحب من ينفعني حبه عندك. اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب. اللهم وما زوَيْت عني مما أحب فاجعله فراغا لي فيما تحب. اللهم إني أسألك الصحة والعفة والأمانة وحسن الخلق والرضى بالقضاء.
الاعتقاد القلبي بالقدر خيره وشره ركن من أركان الإيمان،لا يكون أحد مومنا إلا به. والرضى بالقضاء سعادة، والتسخط عليه شقاء، والانتظار البليد أمام ما يكره شرعا من الأقدار عجز، والجمع بين الإيمان بالقدر وبين مقاومة القدر بالقدر، على حد تعبير الشيخ عبد القادر، إحسان لا يقدر على بلوغه إلا الأقوياء من المومنين.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما منكم من أحد إلا وقد كتِب مقعدُه من النار ومقعده من الجنة". قالوا: يا رسول الله: أفلا نتكل على كتابنا؟ فقال: "اعملوا فكل مُيَسَّر لما خُلِق له. أما من كان من أهل السعادة فسيصير لعمل أهل السعادة. وأما من كان من أهل الشقاء فسيصير لعمل أهل الشقاء". ثم قرأ: )فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ( بقية الآية: ) وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ( (سورة الليل، الآيات: 5-7). رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن الإمام علي كرم الله وجهه.
وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يومن عبد حتى يومن بالقدر خيره وشره. وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليُخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه". رواه الترمذي عن جابر رضي الله عنه بإسناد حسن.
وقال صلى الله عليه وسلم: "من سعادة ابن آدم رضاه بما قَضَى الله. ومن شقاوة ابن آدم سخطه بما قَضَى الله". أخرجه الترمذي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
وروى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المومن القوي خير وأحب إلى الله من المومن الضعيف، وفي كل خير. احرص على ما ينفعك. واستعن بالله. وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا. ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل. فإن "لو" تفتح عمل الشيطان".
المومن القوي يجتهد فيما ينفعه دينا ودنيا، ويستعين بالله في اجتهاده، ويكون من العجز المذموم والاتكال المشؤوم تَرْكُه الاِجتهادَ في نطاق الأسباب المشروعة، يمسح عجزه في القدر وفي كلمات التمني والتحسر. والمومن القوي المستقيم العقيدة لا يخوض في غامضات القضاء والقدر، بل يفوِّض علم ذلك إلى الله عز وجل ويثق بحكمته عز وجل وتدبيره وحسن اختياره لخلقه، غير غافل لحظة عن أن مَبْنَى هذه الدار الفانية ومعناها ابتلاء العباد بالشر والخير فتنة. ولله سبحانه الحجة البالغة في باديات الأمر وخفياته.
الجدل في القضاء والقدر انحراف. قال أبو هريرة: "خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتنازع في القدر. فغضب حتى احمر وجهه. حتى كأنما فُقِئَ في وجنتيه حَبُّ الرُّمَّان. فقال: أفبهذا أُمِرْتُم! أم بهذا أُرسلت إليكم! إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر. عَزمْتُ عليكم أن لا تنازعوا فيه". أخرجه الترمذي بإسناد حسن.
إذا كان الجدل في القضاء والقدر انحرافاً لسانيا عقليا قلبيا غَضِبَ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن التبلد أمام القدر، والاستكانة والمسكنة والخمول، انحراف عملي خطير. المومن القوي، والجماعة المومنة المخاطبة بالقرآن، مأمورون باتخاد كل الأسباب المتاحة المقبولة شرعا لتحقيق كل الأهداف المأمور بها شرعا. المومن القوي والجماعة القوية ما عليهم أن يشتغلوا بأمر الله الكوني وقضائه في العباد عن أمره الشرعي التكليفي.
إنما تأخرت الأمة عن مصاف القوة، وتردت تحت سنابك الأقوياء، لتركها الجهاد، ولفشو العقيدة الناقصة التي تأخذ بعين الاعتبار كون ما قُدِّر لم يكن ليتخلف، دون أن تعالج الموقف بدواء: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له".
ما قضاه الله عز وجل وقدره واقع لا محالة ولا راد لقضائه، لكن لا يستوي من عمل بأمر الله الشرعيِّ، وبَذَل الجهد، حتى طواه القدر أو بسط له، ومن عجز عن العمل وتكاسل وتخامل حتى فاجأه القدر. الأول مأجور معزور، عمل بقضاء الله فيسره الله للحسنى، والثاني آثم مأزور، لم يستعن بالله، ولم يتوكل عليه بخطوات عملية، فيسره للعسرى، وجر عليه عجزُه جزاء الجبناء. ولله الأمر في الآخرة والأولى.
عملك لتحقيق ما أُمِرْتَ به شرعا جزء من القضاء، على نهوضك أنت للعمل وتشميرك فيه، أو توقفك عنه وعجزك، تترتب النتائج.هذا ما يقوله الحديث النبوي الشريف: "ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم". فقال رجل من القوم: إذن نُكْثِرُ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله أكثر". رواه الترمذي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه بإسناد صحيح.
وهذا ما يقوله بالتصريح الحديث النبوي الذي رواه الترمذي عن سلمان الفارسي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يردُّ القضاءَ إلا الدعاءُ، ولا يزيد في العُمُرِ إلا البرُّ". إسناده حسن.  
وفي هذا الصدد قال الشيخ عبد القادر رضي الله عنه قولته المشهورة التي تستحق الإشادة والفهم: "كثير من الرجال إذا دخلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا. وأنا انفتحت لي فيه رَوْزَنَةٌ (نافذة)، فنازعت أقدار الحق بالحق للحق. والولي من يكون منازعا للقدر. لا من يكون موافقاً له".
معنى كلامه النفيس أن مُبادراتي وجهدي، وفي مقدمة ذلك الدعاء الذي لا يردُّ القضاءَ غيره، هي أقدار إلهية، عليَّ أنا ترجع مسؤولية تعطيلها إن عجزت ولم أستعن بالله عز وجل في السعي بما ينفعني. وفي هذا المعنى روى الترمذي أن رجلا قال: يا رسول الله! أرأيت أدْويَةً نتداوَى بها، ورُقىً نسترقِي بها، وتُقىً نَتَّقيها، هل تردُّ من قدر الله شيئا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "هن من قدر الله".
في دواوين الحديث أبوابٌ أخبر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقضاء والقدر النازل بعده على الأمة تُدْرَجُ تحت عنوان: "الفتن". إلى جانب الأبواب التي تتضمن أمر الله وأمر رسوله الشرعيين نقرأ أبواب أمر الله الكونيِّ المستقبلي. وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه جهرة بكل ما يقع بعده إلى خروج الدجال إلى نزول الإمام المهدي ونبي الله عيسى عليهما السلام فقيام الساعة.
قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: "والله إني لأعلم الناسِ بكل فتنة هي كائنةٌ فيما بيني وبين الساعة. وما بي إلا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أسَرَّ إليَّ في ذلك شيئا لم يُحدِّثْهُ غيري". الحديث أخرجه مسلم.
أُنْسِيَ الصحابةُ رضي الله عنهم طرفاً من ذلك الإخبار النبوي، وروى عنهم مَن بعدَهم طرَفاً. فكان ما رَوَت الأمة من أخبار القضاء والقدر عاملا مهما في تحديد مواقف العلماء في كل عصر ومصر. ويشاء الله عز وجل أن تقتحِمَ أجيالُ هذه الأمة من العلماء المستقبل وهي تقرأه، في خطوطه الرئيسية، مُسَبّقاً. ومن ضمن ما نقرأ في أخبار الفتن وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكف عن سفك الدماء بين المسلمين، وبطاعة المتسلطين على الحكم. وهكذا أحنى علماء الآثار رؤوسهم أمام القدر بسُلطانِ الإخبار النبوي والوصية النبوية، وسكن الأولياء تحت مطارق القدر ومعهم من الإخبار الشريف ومما يخص الله عز وجل به بعضهم من إلهام ووحي منام وكشف. وقد قرأنا في فصل "العلم" من هذا الكتاب كيف قرأ شيخ الإسلام نبأ انتصار المسلمين على التتار في اللوح المحفوظ، فبشَّر الجيش، وأقام حفلة فرح بالنصر قبل أن تبدأ المعركة.
لمستقبل الخلافة الثانية الموعودة، معنا إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بشر في الحديث الصحيح بالخلافة على منهاج النبوة بعد الحكم العاض والجبري. راجعهُ في الفصل الثاني من هذا الكتاب. ولمستقبل هذه الخلافة الثانية ينبغي لجند الله أن ينازعوا القدر بالقدر على منهاج النبوة ووفق النموذج الجهادي النبوي الصحابي الراشدي. حتى إذا نزل قدر الله بما لا يصبر على مثله الضعفاء فينبغي أن تتجلى التربية الإحسانية في الموقف القوي، موقف السكينة والثبات والقَبول والرِّضى بالقضاء. فما الرضى بالقضاء، حقَّ الرضى، انهزام وضعف، بل هو قوة. لا تَفُتُّ ضربات القدر الغالب في عضد المحسنين، بل تزيدهم قربا من ربهم عز وجل، ولجأً إليه، واستعانة به، ليستأنفوا دائما جهدا جديدا لاقتحام العقبة.
في فقه هذا الرضى المحمود يقول الرفاعي: "أيْ بنيَّ! اعلم أن العبد إذا علم أن الله سبحانه حكيم فيما حكم، وقدير عالم فيما قضى ودبَّر، و(أن العبد إذا) عرف أنه جاهل بالمحبوب والمكروه، رضي عن الله عز وجل في حكمته وقضائه. والرضى هو سكون القلب إلى الحكيم، وترك الاختيار مع التسليم. ولا شيء أشد على النفس من الرضى بالقضاء، لأن الرضى بالقضاء يكون على خلاف رضى النفس وهواها. فطوبى لعبد آثر رضى الله تعالى على رضى نفسه"[1].  
وقال: "وإن قضاء الله تعالى على أربعة أوجه: قضاء النعمة، فعلى العبد فيه الرضى والشكر. والثاني قضاء الشدة، فعلى العبد فيه الرضى والصبر. والثالث قضاء الطاعة، فعلى العبد فيه الرضى وذكر المِنَّة والقيام بالواجب إلى الموت. والرابع قضاء المعصية، فعلى العبد فيه الرضى والتوبة. وسئل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عن القضاء والقدر فقال: ليلٌ مظلم، وبحر عميق. سر الله الأعظم. فمن رضي به فله الرضى، ومن سخط فله السخط"[2].  
نقرأ كثيرا عند الإمام عبد القادر الوصية بالرضى عن الله عز وجل في قضائه وقدره. فلا ننسُبْ إلى أمثاله من العلماء والعارفين جناية خمول الأمة، ولنَأْخُذْ في حسابنا الإخبار النبوي بالفتن ووصاياه بشأنها. فإن هذه الوصايا وذاك الإخبارُ مفتاح لا ينفتح لنا فهم تاريخ المسلمين إلا به. وما يوصي أمثال عبد القادر، وهم أرباب علم وقلوب، إلا بالصواب.
قال عبد القادر رحمه الله: "ويحك! تدعي أنك مسلم وأنت معترض على الله عز وجل وعلى الصالحين من عباده! كذبت في دعواك! الإسلام مشتق من الاستسلام لقضاء الله عز وجل وقدره، والرضى بأفعاله. مع حفظ حدود كتابِه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فحينئذ يصح لك الإسلام.
"شُؤْمُ طول الأمل هو الذي يوقِعُكَ في معاصي الله عز وجل. متى ما قَصَّرْتَ أملك جاءك الخير، فتمَسَّكْ به. إذا أردت الفلاح فأيُّ شيء جاء به القدر فخذه من يده، وارض به، مع موافقة الشرع. الراضي عن القضاء لا نفس له ولا هوىً ولا طبع ولا شيطان. أعني أنه قد أُعين عليهم، لا أنهم قد انعدموا من كل وجه. ليس لنا معصومٌ بعد ذهاب الأنبياء عليهم السلام.
"الراضي عن القضاء نفسُهُ مطمئنَّة، وهواه مغلوب، وثائرة طبعه مخمودة، وشيطانه حابِسٌ، ما يقع بيده منه شيء، يطوف عليه لا يَجدُه.
"التوكل ليس فيه وقوف مع سبب، والتوكل ليس فيه رُؤية الضّر والنفع من أحد. أنت نفس كليَّة! هوىً كليٌّ! عادة كلية! ما عندك من التوكل والتوحيد خبر. مرارة ثم حلاوة، ثم كسْر ثمَّ جَبْر، ثم موت ثم حياة دائمة. ذُل ثم عِز، فقر ثم غنى، انعدام ثم ايجاد. بك وبدونك. إن صبرت على هذا صح لك ما تريد من الحق عز وجل. وإلا فما يصح لك شيء. كل ما أشغلك عن الحق عز وجل فهو عليك مشؤوم"[3].  
قال صبار على مراد الله عز وجل في قضائه وقدره:
ولسـت بمَيّـال إلى جـانب الغنى  إذا كانت العلياء في جـانب الفقر
وإنـي لصبـار على مـا يـنُـوبُـني  وحسبك أن الله أثنى على الصبر

وقال لاجئ إلى ربه عز وجل، متوكل عليه صابر معه، يناجيه:
يا مـن له التـوحيد والتحمـيـد  ولـوجهـه التعظـيم والتمـجيـد
يا واصلي لـمَّا جفـاني خـلقُـه  يا قـائمـا بـي والـعبـاد رقـود
يا حافظي والناسُ عني غُـفَّـلٌ  يا من حمـاني والعيـون هجـود
أمـن المـروءة أن أَلُـوذَ بـغـيـره  أمُـدَبِّـراً غـيـر الإلـه أريـد!
تالله لا عَـلِـقَ الفُـؤادُ بـغـيـره  مـا دام في الشجـر المُـوَرَّق عـود

وقال واثق بحكمة مولاه وتدبيره راض بقضائه:
سيكون الذي قُـضي  كَـرِهَ العبـد أم رضي
ليس هذا يـدوم بـل  كـل هـذا سينقـضـي

وقال مرشد إلى الحكمة:
قد قضى فيك حُكمَـه  فانـقـضـى ما يـريـده
فـأرِدْ مـا يـكــون إن  لم يـكـن مـا تـريـده

وقال حكيم ساكن في مواقع القدر:
أيَّ يومَـيَّ مـن المـوت أفِـرّْ  يـوم لا يُقْـدَرُ أو يَـومَ قُـدِرْ!
يـومَ لا يُـقْـدَرُ لا يأتي بـه  ومن المقـدور لا يَنْجو الحَذِر

وقلت:
ظَـلَّ كَســلانَ خَـامِــلاً ثمَّ قـال: القَضــا نَــزَلْ!
قَد رَضـينـا بـِحكـمِــه وسَرحْـنَــا مع الهَمَــلْ!
قَد كَـفَى النِّكْـسَ مـا بِهِ ليـسَ يُـقضَى لِمـن كَسَـلْ




[1]  حالة أهل الحقيقة مع الله ص 176-177.
[2]  الفتح الرباني ص 179.
[3]  الفتح الرباني ص 246.