الدليل بحث بطاقات محول التاريخ 
  • RSS
  • Youtube
  • Google+

إلى متى تفر من ربك؟

من لا ورد له لا وارد له

لا يستحقر الورد إلا جهول. الوارد يوجد في الدار الآخرة، والورد ينطوي بانطواء هذه الدار، وأولى ما يعتني به ما لا يخلف وجوده. الورد هو طالبه منك، والوارد أنت تطلبه منه، وأين ما هو طالبه منك مما هو مطلبك منه؟


يعني: لا يستحقر الورد الذي هو الأعمال الصالحة التي تقربه إلى العزيز الغفار، ويتشوف إلى الوارد وهو ما يرد على الباطن من المعارف والأسرار. إلا جهول، أي كثير الجهل.
فإن الوارد إنما ينشأ عن الورد بعد تصفية الباطن بصالح الأعمال التي تجلب الأنوار من حضرة الغني المفضال. فالورد ما كان من الخلق للحق، والوارد ما كان من الحق للخلق. ثم ذكر أن الورد له مزية على الوارد من وجهين:
أشار إلى الأول بقوله: الوارد يوجد في الدار الآخرة؛ لأنه ما يرد على باطن العبد من المعارف الربانية، واللطائف الرحمانية. وأما الورد: فإنه ينطوي بانطواء هذه الدار؛ لأن الآخرة ليست دار تكليف. وأولى ما يعتنى به ما لا يخلف وجوده بفواته.
وأشار إلى الوجه الثاني بقوله: الورد هو تعالى طالبه منك. فهو حقه عليك، والوارد أنت تطلبه منه فهو حظك منه، وأين ما هو طالبه منك مما هو مطلبك منه؟ أي بعيد ما بينهما، فقيامك بحقوقه على أليق بالعبودية من طلبك لحظوظك المحبوبة لديك، ومتى تطهرت من العيب فتح لك باب الغيب.
وأتى المصنف بذلك إرشاداً للمريدين الذين يتشوفون إلى الواردات، ويتركون الأوراد مع أنها لها من المقدمات. كما قال المصنف:

ورود الإمداد بحسب الاستعداد، وشروق الأنوار على حسب صفاء الأسرار.


يعني: أن ورود الإمداد من حضرة الملك الجواد إنما يكون للعبد بحسب استعداده لذلك بتطهير فؤاده وملازمته لأوراده، وشروق الأنوار في قلب‏ ‏العلوم والمعارف إنما يكون على حسب صفاء الأسرار من كدر التعلق بالأغيار والآثار.

الغافل إذا أصبح ينظر ماذا يفعل، والعاقل ينظر ماذا يفعل الله به.


يعني: أن الغافل عن الله تعالى إذا أصبح فأول خاطر يرد عليه نسبة الفعل إلى نفسه فيقول: ماذا أفعل اليوم؟ فهو جدير بأن يكله الله تعالى إلى نفسه، وأما العاقل فأول خاطر يرد عليه نسبة الفعل إلى الله تعالى فيقول : ماذا يفعل الله بي؟ وذلك لدوام يقظته، فهو جدير بأن يوفقه الله لأحسن الأعمال، ويرشده لأصلح الأحوال.
فأول خاطر يرد على العبد هو ميزان توحيده، ولذا قال بعضهم : "
من اهتدى إلى الحق لم يهتد إلى نفسه، ومن اهتدى إلى نفسه لم يهتد إلى الله ".
فانظر إذا استقبلك شغل، فإن عاد قلبك في أول وهلة إلى حولك وقوتك فأنت المنقطع عن الله، وإن عاد قلبك في أول وهلة إلى الله سبحانه فأنت الواصل إليه. وقد كان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يقول: "أصبحت ومالي سرور إلا في مواقع القدر".
وليكن من دعاء صاحب هذا المقام: "اللهم إني أصبحت لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، ولا أستطيع أن آخذ إلا ما أعطيتني، ولا أتقي إلا ما وقيتني. اللهم وفقني لما تحبه وترضاه من القول والعمل في طاعتك، إنك ذو الفضل العظيم".