الدليل بحث بطاقات محول التاريخ 
   

التعليقات
التربية والتغيير رؤية منهاجية بقلم: الدكتور محمد الزاوي

• مفاهيم:

أولاً: مفهوم التربية:

التربية في اللغة معناها: التنمية والتقويم والإصلاح. قال الإمام الزبيدي رحمه الله: "رَبَّ السَّحَابُ المَطَرَ يَرُبُّهُ أَي يَجْمَعُهُ ويُنَمِّيهِ، ورَبَّبَ الصَّنِيعَةَ والنِّعْمَةَ: نَمَّاهَا وزَادَهَا وأَتَمَّهَا وأَصْلَحَهَا" .
وفي مفهوم القرآن والحديث معناها: تغيير باطني لنفس الإنسان.
فالتعريف الذي اختاره الأستاذ عبد السلام ياسين ينسجم تماماً مع الدلالات اللغوية والاصطلاحية لمفهوم التربية، يقول مسترشداً بالهدي القرآني النبوي:
" الفطرة إقامة الوجه لله، وَتَستوي الفطرة أو تَعْوَجُّ وتحيد عن الجادة بالتربية" .
ومن ثَم يصبح دور التربية تنمية الجوانب الفطرية في الإنسان، وتقويم الانحراف الناتج عن التأثيرات الأسرية والاجتماعية والثقافية. روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" .

ثانياً: مفهوم التغيير:

(غير) له في اللغة:" أصلانِ صحيحان، يدلُّ أحدُهما على صلاحٍ وإصلاحٍ ومنفعة، والآخر على اختلافِ شيئين" .
والتغيير يطلق على وجهين:
" أحدهما: لتغيير صورة الشيء دون ذاته، يقال غيرت داري إذا بنيتها بناء غير الذي كان. والثاني: لتبديله بغيره، نحو" ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ . فتبديل ما اتصفت به الأنفس والذوات والمجتمعات من الأحوال الحسنة بخلافه من الأحوال السيئة يسمى تغييراً.

• قانون التغيير الإلهي قائم على التربية.

إجمالا يمكن أن نستخرج من الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة سنناَ وقواعد تصلح لأن تكون أساساً لقانون التغيير، الذي بثه الله في الأنفس والآفاق، وجعل الأخذ به سبيلاً ممهداً لتغيير ما بالإنسان الكادح في دار الابتلاء.
يدلنا هذا القانون على أصول هامة تعتمدها نظرية المنهاج في رؤيتها التغييرية، نذكر بعضاً منها:

• مصدر التغيير هو سلطان الله عز وجل، فهو المغيِّر:

أصل النعم من الله سبحانه: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . فالله هو المنعم والمتصرف في شؤون خلقه بلا منازع أو ممانع، عطاء أو منعاً، وذلك وفق حكمته البليغة و تدبيره البديع.
والملاحظ أن كثيراً من الإسلاميين درجوا في كتاباتهم الفكرية ومواقفهم السياسية، إلى حد الاستغراق، على الإشادة بالفاعل التاريخي، والتعظيم الهائل لمسألة الأخذ بالأسباب، وكأن أمر التغيير الإسلامي لا يعدو أن يكون مقارعة ومجالدة حضارية أرضية صرفة، ليس ثمة فيه جهد يضاعفه عون رباني، ولا خطوة يُطوى لها الزمن طياً بل الاحصاءات الميدانية والمعادلات الحسابية هي المهيمنة على سوق التدافع بين الحق الإلهي والباطل الوضعي.
إذن يكل الله الدعاة إلى أنفسهم، ويعود التغيير الإسلامي محكوماً بمنطق الرياضيات ابتداءً وانتهاءً، لأن الحاملين لأعباء الدعوة والتنظير والحركة وضعوا جداراً سميكاً من المفاهيم والرؤى والتخرصات المعقدة بين إعداد القوة والتفويض الإيماني، بين التخطيط الواعي المنضبط والتعلق القلبي الصادق بالمهيمن القادر المريد سبحانه.
إن المحلل "المادي" لا يرى التاريخ البشري إلا صراع طبقات وعصبيات بمعزل عن السماء. والمسلم الخرافي يتحول إيمانه بالقدر انسحابا من ميدان العمل والمدافعة، فيتعطل لديه الحافز الشرعي على عمل الصالحات. أما المؤمن الجامع بين النظرتين فلا تناقض لديه بين ما أمر به وما قدر عليه. يسعى جهده، ترتبت النتائج المنطقية على جهده أو تخلفت. فهو بهذا طاقة فاعلة. وهكذا كان المرسلون والصديقون والشهداء والصالحون.
إن الله هو الفاعل وحده لا شريك له، يغير ما بالناس، ويده القوية ماسكة بناصية كل شيء. وخطابه التكليفي لنا بالعمل والجهاد نصيبنا من فضله؛ إذ ينسب لنا عملا هو مسيره ومدبره. تنسينا أنفسنا الأمارة بالسوء أن التوفيق من الله عز وجل، وأن هدايته وإلهامه ونصره هي زادنا الأول والأخير.

• التغيير التاريخي يتم بحوافز شرعية ووسائل بشرية:

بعد تثبيت الحقيقة الأولية ـ السالفة الذكر ـ في القلوب وتجذرها في العقول المؤمنة، يجيء دور الأخذ بالحوافز الشرعية والوسائل الأرضية البشرية متساوقاً مع نواميس الله في الأنفس والآفاق. فهؤلاء الأنبياء والرسل عليهم السلام كانوا رجالا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، ويقاتلون ويقتلون، ويجاهدون حياتهم لنصرة دين الله.
كانوا جادين في تبليغ رسالات الله، يقارعون الحجة بالحجة، ويدحضون القول بالقول، ويزاحمون الكتف بالكتف، ويناجزون متى توفرت كفاية المناجزة، ويدورون مع الأحداث إن لم تتوفر ريثما تتوفر.
فليس أكثر منا غباء ـ نحن الإسلاميين ـ إن انتظرنا أن ينبعث لنا نداء الإسلام من وراء سجف الغيب ملائكة محلقين في السماء. وتحول يقيننا بأمر الله الكوني تعطيلاً لأمر الله الشرعي، وانسحبنا من ميدان المثافنة والمدافعة، حالمين بالمدد الإلهي الخارق للعادة؛ إذ لا فرق عند الأستاذ عبد السلام ياسين بين خرافية القاعدين المتواكلين، وخرافية الماديين معتقدي الحتمية التاريخية.
قال عز من قائل:
﴿ ولينصرن الله من ينصره. إن الله لقوي عزيز﴾ ، ما وُعد بالنصر من يعتمد على حيلته، وينسى أنها قضية الله لا قضيته. إنما وعد من يبذل كل الجهد في التدبير، وإعداد القوة، والإقدام على التنفيذ، ويدخل من باب التضرع إلى الله العزيز، يسأله المدد والقوة والنصر.
يقين إيماني بقدرة الله المطلقة يصل دنيانا بآخرتنا، وانفتاح عملي بكل ثقة وانطلاق على نواميس الله في الكون وسنته في التاريخ هما شَرْطَا التمكين والاستخلاف. وتلك هي المعادلة التي يجمع بها الفقه المنهاجي بين لباب التغيير وهو اليقين بموعود الله وبين الجسم التنظيمي الحركي القائم بالقسط بين الناس.

• التغيير سنة جماعية لا سنة فردية:

إن التغيير شأن جماعي بالدرجة الأولى، فكلمة " قوم" في الآية ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ ﴾ تعني الجماعة أو أمة. من ثَمَّ فإن نظرية المنهاج تؤسس مشروعها التغييري على ضرورة الربط الوثيق بين التغييرين: الفردي والجماعي، يقينا منها أن "مشروع الخلاص الفردي هو المحور الذي تدور عليه الجماعة المؤمنة" ، وأن التجديد الحق على صعيد الأمة لا يكون إلا إن اندرج مشروع الخلاص الفردي في الجهاد الجماعي.
ولا سبيل إلى إتمام هذه النقلة الجوهرية من الإسلام الفردي الذري إلى الإسلام الجماعي المنظم إلا بسلوك محجة تربية مستقبلية متوازنة تربط مصير المؤمن الأخروي عند الله بمصير أمته التاريخي عند الناس.
مقدمة ضرورية لتأليف الأمة على كلمة الإسلام وقيادته، وتعبئتها لتغيير الكنس والبناء وحمل الرسالة الخاتمة للعالمين.

• سنة الله في التغيير رهينة بتعرض البشر لهذه السنة بكيانهم الكلي:

ولئن كان الله هو المغيِّر والعالِم ما سيكون من البشر قبل أن يكون، فإنه لا يغير نعمة أو بؤساً، ولا يغير عزاً أو ذلة، ولا يغير مكانة أو مهانة . . إلا أن يغير الناس من مشاعرهم وأعمالهم وواقع حياتهم، فيغير الله ما بهم وفق ما صارت إليه نفوسهم وأعمالهم.
ولقد علمنا رسول الله صلى الله عليه أن التحول الإنساني الكلي من الإيمان الفطري للكفر يحدث بعامل التربية، فنفهم أن التحول المعاكس يحدث أيضا بالتربية. روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"« ما مِن مولودٍ إلا يُولَدُ على الفِطْرةِ »" "ثم يقول:« اقرؤوا: " ﴿ فِطرةَ اللَّهِ التي فَطر الناس عَليها، لا تَبديلَ لخلق الله، ذلك الدِّينُ القَيِّمُ﴾ . وزاد البخاري: "فأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ، أوْ يُنَصِّرانِهِ، أوْ يُمجِّسانِهِ، كما تُنْتَجُ البَهيمَةُ بهيمةً جَمْعاءَ، هلْ تُحِسُّون فيها من جَدْعاءَ" .
التربية الشاملة المتكاملة هي الكفيلة بأن تعيد الناس إلى الفطرة السليمة، عبر:
"تغييرها لنفس الإنسان، وبعثها لإرادته بتصفية رؤيته لنفسه ومصيره وللعالم، وتحريرها لعقله ببث روح الإيمان بالغيب" .

• النفس هي مقر التغيير وموضوع التربية:

النفس هي جوهرة الإنسان، والتغيير منها يبدأ وإليها يعود. ففي النفس تستوطن الأمراض الاجتماعية البغيضة والآفات الشخصية الباطنة من استكبار وأنانية وشهوة وكراهية واستبداد، فيصبح لزاما على أي مشروع تغييري أصيل أن يتعهد النفوس بالتهذيب والتزكية حتى يزول ما علق بها من ظلم وأثرة وجبروت.
وتكسب بذلك النفس الزكية استعدادا للترقي في مدارج الكمال، وقوة في قبول الحق والدعوة إليه. ولعل هذا المعنى الدقيق هو بعض ما قصده الألوسي في تفسير لطيف للآية، جاء فيه:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ ﴾ "من النعم الظاهرة أو الباطنة " ﴿ حتى يُغَيّرُواْ مَّا بِأَنفُسِهِمْ ﴾ "من الاستعداد وقوة القبول" .
هكذا يضع الأستاذ عبد السلام ياسين الأصبع على أصل الداء، ويحذر من خطورته، فيقول:
" إن الله عز وجل أعلم بما خلق، وإنه سبحانه أشار إلى أصل البلاء ومباءَة الداء وعش الآفة: ألا وهي النفسُ وسلطانها المانعُ العبدَ عن الهُدَى، الصارفُ له عن العبودية لربه عز وجل، التائه به في الشهوات والأنانية، وسُكْرِ الهَوَى، وضلال العقل، وأسْرِ العادة" .
من استيلاء سلطان النفسِ يتولد داء الأمم الذي ينْخَر في كيانها المعنوي. حتى تضحى جثة غثائية هامدة لا تقوى على تغيير ما بها، فهي عرضة جاهزة لكل دعوة، وهي مستعدة راغبة في التغيير أي تغيير. قال المصطفى عليه الصلاة والسلام:
" سيصيب أمتي داء الأُمم . فقالوا: يا رسول الله! وما داء الأمم؟ قال: "الأَشَرُ والبطَر، والتكاثرُ والتناجُش في الدنيا، والتباغض والتحاسد، حتى يكونَ البَغْيُ" .
لقد جاء التشخيص النبوي أجمل بياناً وأوثق تفصيلاً، وكأنه يوجه أنظار العاملين للإسلام إلى عمق التغيير القرآني النبوي القائم أساساً على منهاج تربية العهد المكي؛ إذْ لا يقبل شرعا ولا عقلاً أن يتصدى لتغيير ما بالأمة من عجز ووهن، مَن هو حامل بين جنبيه جرثومة الفساد وخميرة الداء.
من هنا يكون فقه تزكية النفوس محور كل عمل إسلامي، يجعل المؤمن متجرداً من عبودية النفس والشيطان، والجماعة المغيِّرة قوة اقتحام للعقبات، وقطب تجديد لدين الأمة وإيمانها. وإلاَّ دارت رَحَا التغيير الإسلامي على خواء النفوس وفساد الذمم، ونتانة الطموحات الشخصية الهابطة التي نشهدها عند الأحزاب التي لا خبرَ عندها بالآخرة ولا بداء الأمم.
التشخيص النبوي وصف داء الأمة حين تنحل وتصبح غثاء كغثاء السيل، وسماه "وَهْنا" وهو حب الدنيا وكراهية الموت. العلاج النبوي لهذا الفساد نستنبطه من حديث المصطفى الكريم عن الأجساد تفسد أو تصلح بفساد أو صلاح مضغة فيها تسمى القلب. من حديث رواه الشيخان وغيرهما عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" ... ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" .
إن نجاح كل حركة تغييرية حسب البلاغ القرآني والبيان النبوي منوط بإحكامها للعمق التربوي الإيماني. إحكامٌ يُخرج إلى المجتمع صلاحاً وعمراناً، و إخلالٌ مَهْما كان طفيفاً يحصل منه فسادٌ كبير وشر مستطير. نعوذ بالله مِنَ الحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ.

خلاصة:

قانون التغيير الإلهي قائم على التربية، فهي مقدمة التغيير وشرطه وأساسه، وبالتربية المتكاملة الشاملة العميقة يصبح الإنسان هو الفاعل التاريخي الذي يؤثر فيما حوله.
من هذا المنطلق فإن:
ـ الباعث على التغيير عند الأستاذ عبد السلام ياسين باعث ديني، من صميم الدين.
ـ والمنهاج المعتمد عنده شرعة منزلة تقصد تغييراً شاملاً للإرادة والذهنية والسلوك.
ـ والضامن لسلامة العمل الإسلامي من الانزلاق والسطحية تربية مستمرة مواكبة للسير، أولاً ووسطاً وآخراً.
هكذا هو الخط الوسط والمقدار الصحيح الذي بدونه لا تكون الجماعة المؤمنة مؤهلة لتغيير عميق ولا لبناء تجديدي متين يجمع بين الغاية الإحسانية مطلب الفرد، والغاية الاستخلافية مطلب الجماعة والأمة الإسلامية.

تاريخ النشر: الأحد 19 فبراير/شباط 2012


التعليقات