الدليل بحث بطاقات محول التاريخ 
  • RSS
  • Youtube
  • Google+

التعليقات
الإمام المجدد عبد السلام ياسين

من نصيحة "الإسلام أو الطوفان" إلى وصية العهد والخلافة
بقلم: الأستاذ مبارك الموساوي

أولا: مقدمات لابد من العلم بها.

1.الإمام المجدد لمدرسة المنهاج النبوي والكاشف أسرارها.


إذا تميز الإمام المجدد عبد السلام ياسين بأمر فلن يكون إلا عرضه المنهاج النبوي حالا ومقالا وعيانا، هذه الخاصية الفريدة في تاريخ المسلمين لها شأنها العظيم الذي بدأت تجنى بعض ثماره، إذ الأمر يتعلق باكتشاف أسرار النبوة في التربية والبناء وصناعة الرجال وإحياء الجماعة، معنى ومبنى، وبعث الأمة وخدمة الإنسانية.
فإذا تكلمنا اليوم عن الرجل أو كتبنا عنه إنما نقدم بعضا من قدره بما تقتضيه مرحلتنا وعيشنا وإدراكنا، أما أجيال المستقبل، خاصة أجيال العدل والإحسان، فستكتشف عن الرجل ما لم يدركه الكثير منا اليوم، وستعرف من قدره الكثير بما يناسب الزمن والمرحلة جيلا بعد جيل إلى قيام الدين.
هذا أمر سيعرفه التاريخ لاشك، أما اليوم ستعجز العبارات والكتابات عن تقديم الرجل مباشرة بعد انتقاله إلى دار الخلد والبقاء مهما كان صفاؤها وصدقها، لكن الله عز وجل يجعل في الدنيا فسحة ليُطلع خلقه على ما شاء من قدر أوليائه وأصفيائه، خاصة من أهلهم للقيام بتجديد علاقة الناس بالوحي والنبوة والعدل والإحسان كما جاء معناهما في الوحي نفسه والنبوة نفسها.
نقدم بعض ما وفقنا الله تعالى لإدراكه، ونسأله جلت عظمته أن يوفقنا للأدب اللازم مع أوليائه أحياء وأمواتا، كيف وهم من أبلغوا الوسع في تحصيلنا الأدب اللازم مع الله، جل وعلا، وحافظوا على جوهر الدين والنبوة وصبروا صبرا على كل البلايا إحياء له وتبليغا، وعلموا الناس أن تعظيم أمر الله وأمر نبيه أمر جلل، وأن التواضع لله أمر عظيم كما هو عظيم نصرة المظلومين والمحرومين والوقوف النبوي في وجه الظلم والمستكبرين.
إنه أمر المعاملة القلبية مع الله تعالى خوفا ورجاء، وهو هم الأكابر من أمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
جاء في كتاب مقدمات في المنهاج:
[1]:" ليست العبرة أن نلتمس أقصر طريق للحكم الإسلامي، ولا أن نلتمس أضمن الوسائل رأي العين، فكل طريق غير المنهاج النبوي، وهو السنة، وكل وسيلة لا يقبلها الشرع أمور مرفوضة. العبرة أن نكتشف المنهاج النبوي في التربية، ذلك المنهاج الذي كان عملا باهر النتائج، خرج من مدرسته كبار الصحابة، عظماء الأمة، نخبة الإنسانية بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. العبرة أن نكتشف أسرار المنهاج النبوي الذي نتج عنه الجهاد الخالد الذي كانت ثمرته "المعجزة التاريخية" التي غيرت العالم أعمق تغيير وأوسع تغيير وأسرع تغيير. العبرة أن نكتشف خاصية المنهاج النبوي التي بها تحول أفراد أنانيون، المحروم المستعبد منهم والسيد القاهر، المستضعفون منهم والملأ المستكبرون، جماعة موحدة قوية تحمل هَمَّ الجماعة، وتسعى لتحقيق أهداف الجماعة، ويموت أفراد لتبقى الجماعة وتعز. قل لي كيف أسير، عمليا وعينيا ويوميا، على المنهاج النبوي، كيف تسير الجماعة حزب الله لتجتمع رحمة الإيمان وحكمة الإيمان فتكون الطاقة الدافعة والخبرة الإنجازية الكفيل اجتماعهما بتأهيلنا لاقتحام العقبة. اقتحام وعقبة" .
هذه الأسئلة الكبرى وأخواتها ليست إلا حرصا على إظهار أهمية المنهاج النبوي ومعناه وموضوعه والغاية منه والوسيلة فيه وإليه.
إن اكتشاف المنهاج النبوي وعرض علمه عرضا مجددا ومتجددا نحو أفق الخلافة الثانية على منهاج النبوة عمل كبير وعظيم وجليل على أبواب مرحلة تاريخية حاسمة من تاريخ الأمة والإنسانية.

2.الإمام المجدد العارض لعلم المنهاج النبوي والمؤتة قواعده.


حوالي خمسة عقود لم يتوقف الإمام المجدد عن الحديث عن المنهاج النبوي، علما وعملا، فلا تجده بالحال والقول والعمل إلا مبينا لخصلة من الخصال العشر أو شعبة من الشعب السبعة السبعين، أو أكثر من خصلة وشعبة.
تلك الخصال التي عرضها في أول مؤلف له وختم بها في وصيته الأخيرة؛ وصية الخلافة والوداع؛ هي المنهاج النبوي، هي قواعد علمه وأسرار عباراته وفقراته وحلقاته.
في بدايات السبعينات كتب الإمام المجدد
"الإسلام بين الدعوة والدولة" وكان عرضا للخصال العشر، وفي "الإسلام غدا" كذلك، ونفس الأمر في رسالة "الإسلام أو الطوفان" التي وجهها نصيحة شاملة للملك الحسن الثاني. ولما تبين له أن الأمر يقتضي بناء نموذج جماعة حاملة لمشروع العدل والإحسان أعاد تركيز عرض الخصال العشر عبر كتاب "المنهاج النبوي، تربية وتنظيما وزحفا" وكان ذلك بدايات الثمانينات من القرن الماضي توج بتأسيس جماعة العدل والإحسان تنظيما وشعارا بعد أسرة الجماعة، وبعد حوالي عقدين من الزمن سيعرض كتاب الإحسان بجزئيه فصولا ما هي إلا الخصال العشر وشعب الإيمان.
إن اجتهاد الإمام المجدد في عرض الخصال العشر يشكل أمرا مفصليا في إعادة بناء جماعة المسلمين وإحياء الأمة وبناء قوتها المعنوية والمادية، وقبل كل ذلك ومعه هو عرض وبناء لمدرسة هامة في إعادة بناء الشخصية المؤمنة المجاهدة المحسنة سلوكا إلى الله تعالى عبر الدنيا إلى الآخرة.
هذا الاجتهاد في ما هو آت من الأعوام والعقود والقرون سيكون محورا كبيرا وملاذا هاما لدى كل متصد لقضية الدعوة والتغيير والبناء، ولدى كل سالك إلى الله باحث عن حاجته مع الله مجاهدا في سبيل الله؛ فعرض الخصال العشر وشعب الإيمان، أي عرض السيرة النبوية كاملة مكتملة شاملة جامعة، أمر بالغ الأهمية خاصة لما وضع له أفقا جهاديا وغاية إحسانية تتجلى في بناء نظام الخلافة الثانية على منهاج النبوة بما هو مطلب إنساني لتحقيق قيم العدل والحرية والكرامة للخلق، كل الخلق.
هنا تحصل الميزة العظمى: اجتهاد يجيب عن كل أسئلة المرحلة التاريخية، الفردية والجماعية المعيشة، على مستوى عال من الدقة والتفصيل، ويغوص في فهم وقراءة الماضي من تاريخ المسلمين والإنسانية، وقبل ذلك في النفس البشرية، ويفتح أفق البناء إلى الخلافة باعتماد أم قواعد علم المنهاج النبوي:
"لا ينفك ولا ينفصل في فهم ووعي وسلوك المؤمن مصيره الفردي عند الله تعالى عن مصير أمته التاريخي" ، حيث عبر الجماعة ينجز هذا الحبل ويفتل الأمر فلا يكون للفرد المؤمن معنى إلا وسط جماعة المجاهدين المحسنين، وهي قطب رحى الأمة وقلبها النابض، يموت لتبقى الجماعة، إذ حياته ومماته لله لتبنى الجماعة وتبقى الجماعة وتستمر الجماعة حياة الدعوة وميراث النبوة، لذلك فنحن أمام عرض علم المنهاج النبوي من خلال ترتيب الخصال العشر وشعب الإيمان ترتيبا اجتهاديا محكما ومتحركا نحو الخلافة الثانية على منهاج النبوة. وما يكشف أهمية هذا الأمر كون عرض الخصال العشر سيكون جوهر ما يوصي به، رحمه الله، في وصية الخلافة والوداع كما سيتبين بعد إن شاء الله.
ومن المعلوم أن ما ترتب على هذا العرض للخصال العشر الموقف الجذري من كل نظام حكم أو نظام تدبير أو نظام تفكير لا ينبني على أمر الشورى في كل الشؤون مهما كان صغرها في نظر البعض، وهو ما نكتشفه في كل من نصيحة
"الإسلام أوالطوفان" ووصية الخلافة والوداع كذلك.

3-الإمام المجدد للسلوك الجهادي.


لما وفق الله تعالى الإمام المجدد لتجديد مدرسة المنهاج النبوي وعرض علمها، كان من المحتم أن يجدد معنى السلوك إلى الله تعالى، وفق القاعدة المنهاجية أعلاه، رحمه الله، فلا هو دروشة معزولة، ولا هو تنطع في الحكم وسطحية في التعلم والمعرفة، ولا هو حركة فكرية متنقلة عبر حلقات الفكر والنظر، ولا هو عمل سياسي سطحي، إنما الأمر، لما يتخرج المرء من مدرسة المنهاج النبوي وقد اكتملت دورته التربوية على قواعد علم المنهاج النبوي، جهاد متكامل مع جماعة منظمة لحمتها وجوهرها وحقيقتها معاني الصحبة في الله المستمرة عبر الأجيال بالمحبة والألفة بين المؤمنين معنى وفي السياسة والفكر بالشورى مبنى، هذا الأصل الأصيل الذي قدم الرجل فيه علما غزيرا ومواقف عظيمة ودروسا مارسها عمليا باهرة. كيف يجتمع الأمر بين مصلحة المرء في سلوكه إلى الله، فيكون من الفائزين، مع جماعة المجاهدين البانين للأمة الخادمين كليا للإنسانية؟

ثانيا: من نصيحة "الإسلام أو الطوفان" إلى وصية العهد والوداع والخلافة.

2-1: نصيحة "الإسلام أو الطوفان"، أو المظلة الدعوية السياسة لحركة مشروع العدل والإحسان.


سيرجع الباحثون الدعاة والمهتمون والباحثون وغيرهم لهذه الرسالة التاريخية لما يخرج الفكر من ضيق النظر ويتمتع ببصيص من الحرية لدراستها والوقوف على أهميتها التاريخية والمرجعية، لأنها شكلت مظلة دعوية سياسية هائلة وشاملة ممتدة على طول تاريخ عملية التغيير والبناء التي يقودها مشروع العدل والإحسان، ومن ثمة كانت ولادة جديدة لفكر سياسي ونظام تفكير سياسي إسلاميين خالصين ضمن سياق عرض علم المنهاج النبوي وقواعده.
هي رسالة نصيحة، لكنها عرضت الخصال العشر، أي المنهاج النبوي، وهو ما يكشف بوضوح على أن الرجل، رحمه الله، لم يتكلم من موقع
"قل كلمة وامش" وهو موقع غيرة سطحية وعابرة، بل من موقع الجهاد إلى أفق الخلافة الثانية على منهاج النبوة، وهو الموقع الذي ستصدر عنه ومنه كل المواقف الدعوية والحركية والسياسية لجماعة العدل والإحسان ومشروع العدل والإحسان إلى يوم الدين.
لنقف على بعض المقتطفات من هذه النصيحة التاريخية العظيمة، فقد جاء في مقدمتها:
"رسالتي إليك (أي الحسن الثاني ملك المغرب يومها) ليست ككل الرسائل؛ إنها رسالة تفرض الجواب عنها فرضاً، وحتى السكوت عنها جواب بليغ. إنها رسالة مفتوحة حرصت أن تحصل في أيدي الأمة قبل أن تصل إليك منها نسختك. لعلك تقرأها كما يقرأ الملوك رسائل السوقة، وعهدنا بالملوك التيه والفيش، لكنك لن تملك إلا أن تجيب عنها بعنف السلطان وجبروته، حين ترفض الوضوح الذي تتسم به النصيحة التي تحملها إليك وإلى المسلمين عامتهم وخاصتهم، أو تجيب عنها بالإخبات إلى الله والرضوخ للحق إن دعاك لذلك النسب الذي شرفك الله به، أوتداركك الله سبحانه وتعالى بنور يقذفه في قلبك تميز به الحق والباطل، وتسمع به الكلمة الطيبة التي جاءك بها بشير هذه الصفحات التي ما خططت فيها حرفاً إلاّ ابتغاء رضى الله ربي، لا عدواناً ولا كيداً، والله حسبي منك ومن العالمين" . وتابع: "وأياً ما كان جوابك يا حبيبي يا حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلن تمنع كلمةَ الحق والصدق التي أصدع بها من غايتها. وسواء برز لي الملك بسلطانه، أو المؤمن عبد الله المسكين بقبول النصيحة، فاعلم أن الله جلت قدرته يقضي ولا يقضي الناس، وأنه تعالى يبعث للأمر المهم أضعف عباده، فيؤيده ويفتح له وبه. وإنني يا أخي المبتلى لذلك العبد الضعيف. وإنني لا أشك في إيمانك لِما بلوت من أخبارك، رغم أعمالك التي لابد أن أحدثك عنها من خارج حتى يتبين لك أي إسلام هو إسلامك، وأي الرجال أنت. وسأحدثك فيما أحدثك، عن الجاهلية وعن الفتنة، وأحدثك عن الفساد، ثم أنهي رسالتي بعرض المنهاج النبوي لبعث إسلامي حق؛ وقد كنت كتبت في الموضوع كتابين تلقاهما المؤمنون، ولله الحمد، كما تتلقى البشرى، وأعرضت عن الرفق الذي تضمنته تلك الصفحات. فالآن أخرج من التلميح والتلويح الذين فرضهما علي حال عارض، لأوضح بياناً وبلاغاً" .
فبعد أن وصف الواقع المغربي عرض الإمام الناصح المنهاج النبوي المتمثل في الخصال العشر، وهي: الصحبة والجماعة، والذكر، والصدق، والبذل، والعلم، والعمل، والسمت الحسن، والتؤدة، والاقتصاد، والجهاد، مع شرح مناسب للمقام.
ولما لم يدرك ملك المغرب يومها إشارات الكتابين، ولما لم يوفق للعمل بنصيحة
"الإسلام أو الطوفان" ، كان الأمر يقتضي أن يقف الرجل الإمام على أمر بناء الجماعة المؤهلة للقيام بالواجب الدعوي كما يعرضه "المنهاج النبوي" لبعث إسلامي حق، فكان العرض المناسب لذلك من خلال كتاب "المنهاج النبوي، تربية وتنظيما وزحفا" ، وسهر الرجل على بناء هذه الجماعة مشتغلا على كل واجهة على الرغم من المضايقة والاعتقالات والحصار حتى اشتد عود الجماعة وفُتل حبلها المتين فكان لا بد من عرض نوعي للخصال العشر؛ فكان ذلك من خلال كتاب "الإحسان" بجزئيه، كما كانت المجالس والمرئيات والمسموعات والكتب المبينة والمفصلة لهذه القضية أو تلك جهادا مستمرا عامرا إلى أن جاء وقت الوصية؛ وصية الوداع والعهد والخلافة.

2.2-وصية العهد والوداع والخلافة


على كل معني أن يتريث في الحديث عن وصية مثل وصية الإمام المجدد عبد السلام ياسين، وصية من نظر إلى الخلافة ونصح وبنى وعلم وربى وجاهد من خلال علم الخلافة على منهاج النبوة وبه.
فليسمع المرء بأذن القلب وليقرأ بعين القلب وليعيد السمع ويعيد القراءة وهكذا، حتى يتبين له ما يسر الله سبحانه له مما حوته تلك العبارات والفقرات من معان عظيمة ورسائل بليغة ويقين قاطع.
هو ميراث النبوة؛ تقرأ الوصية أو تسمعها فيذهب بك الأمر إلى تصور يوم وقف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على عرفة، وأي موقف هذا، وخاطب جمع المسلمين وداعا ووصى صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصية النبي المبعوث رحمة للعالمين خاتم رسل الله، وهذه وصية المجدد الناظر بعلم الخلافة ونور الخلافة إلى أفق الخلافة...
لنقف جميعا هنا وِقفة من يسمع من رجل كتب الله له أن يحمل هم تجديد العلاقة مع هذا الميراث النبوي. أي ثقل، وأية مسؤولية، وأي سامع، وأي مبلغ؟ فليست الوصية وصية واعظ مذكر بمكارم الأخلاق فقط، ولاوصية شيخ لمريديه وكفى، ولا غير ذلك، هي وصية إمام مجدد قضى عمره دالا على الله مبشرا وبانيا لصرح الخلافة الثانية على منهاج النبوة.
هنا تجد هذه الوصية أصلها النبوي في خطبة حجة الوداع ويملأ مضمونها علم الخلافة والعهد على الحفاظ على الجماعة القائمة لهذا الأمر بإذن الله عبر الأجيال.
وهنا يكون الحمل ثقيلا، فلا يجد كل من عرف الرجل وعاهده على الجهاد على المنهاج النبوي إلا أن يكون جزء من صرح بناء الخلافة وهو مشروع العدل والإحسان والصبر على بناء الجماعة الساهرة على وضع وترصيص لبنات هذا المشروع:
"مرمى وصيتي هذه وغايتها أن يقف عليها مومن وتقف عليها مومنة يسمعانها بصوتي مسجلة أو يقرآنها مسطورة فيترحمان على ثاوٍ في قبره أسير لذنبه راج عفو ربه. تلك أولى المقاصد. رحم الله عبداً لله وأمة دعا الله بقلب خاشع لمن انقطع عمله إلا من الثلاث المرجوة. عسى الله أن يلحقنا فضل دعائكم جزاكم الله خيرا. والقصد الثاني أن يتذكر متذكر خلاصة ما إليه دعونا لما كنا من سكان أرض الدنيا عابرين إلى دار البقاء. وصية ليتذكر متذكر ويدعوَ داع فتلتئم أواصر الصلة ويتحقق التزاور في الله والتحاب في الله عبر الزمان. لا تحبس الصلة برازخ الموت".
يا أهل الصحبة والجماعة، وهي أم الخصال، قفوا عند هاذين القصدين، لاتحجبنا لحظة قاسية وظروف دعوية وجهادية صعبة عن استكناه معنى القصدين والجمع بينهما.
بدأ، رحمه الله، الوصية بطلب الدعاء له غير المنقطع وختمها بطلب دعاء الرابطة:
" فإلى دعاء الرابطة وهدية الرابطة. أوصي بدعاء الرابطة لا يُبَطِّئْنا عنه مبطئ ولا يشغلنا عنه شاغل. ولا تنسونا من دعائكم أحسن الله إليكم واستودع الله إيمانكم وخواتم أعمالكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".
لننتبه إلى قضية الصلة بين الصحبة والجماعة في هذه الوصية وإلى الأهمية القصوى التي ترجمها، رحمه الله، دعاء وتضرعا إلى الله وهو مودع للدنيا إلى دار البقاء:
"أوصي أن يدعوَ أحبابي إخواني ربنا عز وجل أن يمسك وحدة الصحبة والجماعة كما يمسك السماوات والأرض أن تزولا".
إنها وصية عابرة للأجيال، لها:
"صدى ترجعه إن شاء الله أجيال العدل و الإحسان إلى يوم الدين، لتشهد يوم يقوم الأشهاد أن عبد السلام ياسين عبد مفتقر إلى عفو ربه مُقر بذنبه يشهد أن لا إله إلا الله الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد و لم يكن له كفؤا أحد. وأن سيدنا محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله دعوة صادعة وحجة على الخلق بالغة وخلافة على منهاج النبوة بعدُ يانعة رائعة".
دعوة صادعة بالحق وحجة على الخلق بالغة ثمرتها بعدُ خلافة على منهاج النبوة، ولأن الأمر هكذا، أوصى، رحمه الله،
"أن العدل قرين الإحسان في كتاب ربنا وفي اسم جماعتنا، فلا يُلهنا الجهاد المتواصل لإقامة دولة العدل في أمتنا عن الجهاد الحثيث لِبلوغ مراتب الإحسان. الإحسان أن تعبد الله كأنك تراهُ، ولا مدخل لك في هذا المضمار إلا بصحبة تفتح أمامك المغالق وتحدو بركبك إلى عالم النور والرقائق".
فحتى لا يشغل الجهاد اليومي عن الحرص على طلب مقامات الإحسان، وحتى تحصل الاستقامة في الطلب فلا ينفصل ولا ينفك في فهم ووعي وسلوك المؤمن مصيره الفردي عن مصير أمته التاريخي؛
"لذا أوصي بالصحبة والجماعة، بالصحبة في الجماعة. كان من قبلنَا يتفرد منهم الطالب الراغب السائر تأخذ بيده يدُ فرد نوَّر الله قلبه. ولمستقبل دعوتنا نرجو من الله نور السماوات والأرض أن ُيقيض رحمته على أفراد أوليائه وأن يلهمهم التعاون على البر والتقوى، برِّ هداية الخلق بصحبة تُؤلف القلوب، لا يضيرها أن كان حُبُّ زيد لعمرو أرجح من حبه لخالد. الرجاء من الملك الوهاب أن تكون الصحبة والجماعة متلازمتين تلازم العدل والإحسان، لا تطغ جذبة سابح في النور على شريعة واتمروا بينكم بالمعروف".
بعد الوصية بأصل الأصول، الصحبة والجماعة، الصحبة في الجماعة، وهي أم الخصال، ذكر بكل الخصال التسع الباقية. وقد أسس للوصية بالخصال العشر بالتذكير بالوصايا الإلهية في كتاب ربنا عز وجل وبما أوصى به رسله وأنبياؤه وبما وصى به سيدنا رسول الله بما يغطي كل مناحي الحياة الفردية والجماعية.
إنها وصية بالمنهاج النبوي جامعة وإليه داعية دعوة ممتدة إلى يوم الدين بإذن رب العالمين.
في 16/12/2012

تاريخ النشر: الثلاثاء 25 دجنبر/كانون الأول 2012

[1] "34-35

التعليقات