الدليل بحث بطاقات محول التاريخ 
  • RSS
  • Youtube
  • Google+

الخلافة والملك

الاستخلاف

بدأت ولاية العهد الملكية وكأنها امتداد للاستخلاف الذي سنه أبو بكر الصدِّيقُ رضي الله عنه عندما استخلف من بعده عمرَ. كانت ولاية العهد الملكية شكلا أُفْرِغَ من معناه، لأن الخليفةَ الراشد اجتهد للأمة فاختار لها أقدر الرجال، والملوك ما دفعهم لتوريث أبنائهم إلا الحرصُ على بقاء السلطان في السلالة. وشتان بين استخلاف لا يتعدى أن يكون إشارة لراعي المصلحة العامة الخبـير بالرجال، ثم ترضى الأمة فتبايعُ أو تختارُ لنفسها، وبين وراثة الملك العاض الناشِبِ أظفارَه في الفريسة، تـتعاقب على افتراسها الأجيالُ المترفة!
استـندوا إلى الدين فجعلوا البـيعة ربقة في عنق المتقين. وما فطِن الأخيار، بل تغاضوا، أن بـيعة ولي العهد عُقْدَةٌ باطلةٌ لأنَّ أحَد الطرفين غشَّ في النية، وغش في دعوى الكفاءة والعلم والتقوى، وكلها شروط ضرورية لصحة البـيعة.
نقل الحافظ في الفتح عن الإمام النووي وغيره قالوا: "أجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادها لعقد أهل الحل والعقد لإنسان حيث لا يكون هناك استخلافُ غيرِه. وعلى جعل الخليفة الأمرَ شورى بين عدد محصور أو غيره".[1]
وذكر الماروديُّ الإجماع على صحة إمامة المستخْلف مستشهدا برضى الصحابة بصنيع أبي بكر. وذهب مذهب الجمهور الذي حكاه الحافظ من أن رِضى الأمة وسخطها سواء، وأن بـيعة المستخلَف تَلْزَمها على كل حال. لكنه أورد رأيا هو في نظرنا الأسَدُّ والكفيل وحده بسد الذريعة التي دخل منها على الأمة البلاءُ، فعشش وفرخ. قال: "فذهب بعض علماء أهل البصرة إلى أن رضى أهل الاختيار لبـيعته (أي المستخلف) شرط في لزومها للأمة، لأنها حق يتعلق بهم، فلم تلزمهم إلا برضى أهل الاختيار منهم".[2]
ولعل عبقريَّ الأمة عمر رضي الله عنه نظر للأمة نظراً صالحا للتطبـيق، لا سيما وهو نظر يحترم الأمر القرآني، أن يكون أمر الأمة شورى بـينها. فجعل الاستخلاف في جماعة. قال الحافظ ابن حجر: "قال ابن بطال ما حاصله: إن عمر سلك في هذا الأمر مسلكا متوسطا خشية الفتـنة، فرأى أن الاستخلاف أضبطُ لأمر المسلمين. فجعل الأمرَ معقوداً موقوفا على الستة، لئلا يترك الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر. فأخذ من فعل النبي طرفا وهو ترك التعيـين، ومن فعل أبي بكر طرفاً وهو العقد لأحد الستة، وإن لم يَنُصَّ عليه".[3]
كان الصحابة رضي الله عنهم يرون في صنيع أبي بكر عندما استخلف إجْراءً رشيدا. فقد جاء عند الشيخين وغيرهما حديث عن عبد الله بن عمر أنه تجادل مع أم المومنين أُخْتِهِ حفصةَ، هل يستخلفُ والدهما أو لا؟ فذهبت حفصة إلى عمر فقالت: "زعموا أنك غيرُ مستخلف! وأنه لو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثم جاءك وتركها لرأيت أنه قد ضيع. فرعايةُ الناس أشد".
وذكر ابن قتيـبة في كتاب "الإمامة والسياسة" أن أبا بكر خطب الناس عند احتضاره، وخيَّرَهم بين أن يترك لهم أمرهم يأتمرون ويتشاورون فيه، وبين أن يختار لهم. فقالوا: "يا خليفة رسول الله! أنت خيرُنا وأعلمنا، فاختر لنا".
نستخلص من هذا أن الاستخلاف قد يكون توجيها لاختيار الأمة يساعد على الاستقرار. لكنه إن تم استبداداً من الإمام يوشك أن يصبح مزلقة نحو الكارثة. والأصل الشورى. روى الحاكم عن علي أن رسول الله صلى لله عليه وسلم قال: "لو كنت مستخلفا أحدا من غير مشورة لاستخلفت ابن أم عبد".
كان عثمان رضي الله عنه أقربَ المستشارين لعمر، وكانوا يُسَمُّونه رديفاً. فكرة الرديف هذه يمكن أنْ تـنفعنا في غد الخلافة لأنها تسد فجوة بعد غياب الإمام ريثما تأتمر الأمة.





[1] فتح الباري ج 13 ص208. طبعة المكتبة السلفية.
[2] الأحكام السلطانية ص10.
[3] فتح الباري ج 13 ص207.