الدليل بحث بطاقات محول التاريخ 
   

حوار الماضي والمستقبل

خاتمة

ختم الله لنا ولكم بالحسنى. وجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. أحسن القول قول الله، وما دعا به وإليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قول الله وعْدُه المومنين والمومنات بالنعيم المقيم في الدار الآخرة. قوله العزيز وعيده المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها بعد موتة غبية ختَمت حياة شقية.
جاء وعده سبحانه في سورة التوبة -وإلى التوبة كنا ندعو أنفسنا والناسَ منذ حين- في قوله تعالى ﴿وعد الله المومنين والمومنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن. ورضوانٌ من الله أكبر. ذلك هو الفوز العظيم﴾. (سورة التوبة، الآية : 72)
وجاء وعيده سبحانه في نفس السورة في قوله العزيز الحكيم : (وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها. هي حَسْبُهم. ولعنهم الله. ولهم عذاب مقيم﴾. (سورة التوبة، الآية : 68)
قال الله، وسَمع من هداه الله بسمع قلبه. تداركه الله بيقظة قلبية، وتوبة انقلابية.
قال الله، وأعرض عن ذكر الله من طُمِسَت فيه الفطرة، وطُبع على قلبه طبعا، وجُعلت على بصر عقله غشاوة. خَبُثَت النشأة وعَطُنَ المَنْشأ، وأفسدت رفقة الأشرار، وسبقت البيداغوجيا الملَحّدةُ إلى مجامع التربية، فمن يهدي المنافقين والكافرين المرتدين من بعد الله ؟
قال الله، وسمِع المومنون والمومنات لَمّا كانت أولَ غَرْسةٍ في تُربة الفطرة كلمةُ الله الطيبةُ. جلس المومنون والمومنات في السن الطرية إلى لوح القرآن ومصحف الترتيل ومعلم الخير. جلسوا كما جلس الذين كان الإيمان، والإيمان وحده شعار حياتهم ومَنار هداهم ورائد بطولاتهم. أولئك الطيبون المجاهدون في سبيل الله الذين تعطر تاريخ الإسلام بِعَبَقِ طهارتهم : محمد صلى الله عليه وسلم والنبيئون قبله والخلفاء الراشدون والعترة النبوية الشريفة وأئمة المسلمين وعلماؤهم العاملون وأولياؤهم الصالحون.
ذكرنا منهم في هذا الكتاب رجالا قريبين منا زمانا ومكانا، لصيقين بموضوع كتابنا وتاريخ ماضينا في هذا القطر وحاضرنا : ذكرنا الخطابي وعلالا والسوسي والكتاني وعبد العزيز بن إدريس ومعنينو والحافظ الدكالي وابن العربي العلوي وسائر مؤسّسي الحركة الوطنية رحمهم الله.
كانت كلمة الله الطيبة في الكتاب القرآني أولَ ما قرع أسماع رؤوسهم، وتطرَّق بحفظ الآيات وحضور الصلوات وعشرة أهل الإيمان عاملي الصالحات إلى أسماع قلوبهم.
كان القرآن غذاءهم القلبي والعقلي واللغوي والخلُقي والروحي والسلوكي. لا جَرَمَ ترسَخ في نفوسهم معاني الإيمان، والإيمان وحده. لا جرم يكون وعد الله المومنين والمومنات التائبين والتائبات بديهة من بديهات تفكيرهم وعقيدتهم. لا جرم يكون العمل الصالحُ المنوطُ به الوعد الإلهي مطلب حياتهم. ويكون العمل الفاسد المُرْدي المنوطُ به وعيد الله المتلوُّ في القرآن ظلاما يَشمئز منه الكيان المومن وينفر ويفِرّ.
يتلو المومن والمومنة الآيات من سُورة التوبة فيتلقّى من كلمة الله المبشرةِ المنذرة عِلم ما ينفع في الدنيا والآخرة وما يضر، علم ما يفتح أبواب الجنة وما يحشر إلى النار، علم ما يجب على المومنين والمومنات وما يحرم عليهم.
استحق المومنون والمومنات ما جاء في وعد الله، والله لا يخلف وعده، لوفائهم بشروط العقد المفصل في الآية 71من سورة التوبة : ﴿والمومنون والمومنات بعضهم أولياء بعض يامرون بالمعروف وينهون عن المنكرويقيمون الصلاة ويوتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله. أولئك سيرحمهم الله. إن الله عزيز حكيم﴾.
وتلقّى المومنون والمومنات الوعد وشرطه مجتمعين غير منفصلين. منسجمين غيرَ متناقضين. شخصيات تامة غيْر منشطرة. عقول كاملة لم تشقِّقها عوامل التَّشظية في مدارس الاستحمار. عقلانية تعقل عن الله وتبصر بعين الإيمان جزاء الله ووعده في عالم الغيب، فتنصرف في عالم الشهادة مبصرة بعين العقل الساعي في الأرض جنبا إلى جنب مع سائر الناس مواقع الخطإ والصواب تنصرف ومعها معيارُ الخطإ والصواب من تنزيل الله لا من وضع المنهجيات التطورية الصماء البكماء عن الحق.
تنصرف إلى العمل الصالح بمعيار الإيمان، والإيمان وحده لتُزاوجَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالصلاة والزكاة. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مشاركة واجبة، شرط جامع لواجب المومنين والمومنات في السعي لإقامة الحكم بما أنزل الله من شريعته. والصلاة والزكاة شرط مانع أن يُحسبَ من الإسلام نظامُ حكم لا ينبع من القرآن في سياق القرآن. شرط مانع أن تستحق الوعد من الله ديمقراطية لاييكية الفاعلون فيها القائمون عليها لا يصلون ولا يزكون.
طاعة الله الجامعة المانعة، وشرطه المشروط، لا تفريق فيه بين سياسة ودين. صَمّت عن نداء الإسلام آذان تسمع الدين طقوسا منبوذة مثلما قر في الذاكرة المصنّعة المدجنة في طاحون الاستحمار أن تراتيل الكنيسة ظلم وبهتان من واجب العقلاء أن ينابذوه وينبِذوه.
وخرِست عن الحق ألسن غنت في طفولتها المبكرة أنشودة الراهب "فريرو جاكو"، ولم تقرأ سورة الإخلاص.
أظلمت عقول وغُمَّ على قلوب رباها واحتضنها وافدٌ قَسْوَرةٌ افتَرسَ حُمُراً مستنفرة. افترس عقولها وامتص دماء فطرتها وترك الواحد منها والواحدة قمقما منتفخا.
قُمْقُمٌ منتفِخٌ مسجون فيه عفريتٌ مُمْتَسِخ مُتَّسِخ، لا يسمع تحذير الله عز وجل ولا يعبأ بوعيده المنافقين في قوله تعالى : ﴿وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها. هي حسبهم. ولعنهم الله. ولهم عذاب مقيم﴾. (سورة التوبة، الآية : 68)
قال الله، وسمع المومنون والمومنات وأبصروا، واستَغْشَى المنافقون والكفار والمرتدون ثيابَ مقتنياتهم الإلحادية، وجعلوا أصابعَ "موضوعيتهم" "العلمية" في آذانهم، وأصروا واستكبروا استكبارا. فما سمعوا ولا أبصروا، بل عَمُوا وصَمّوا.
قال الله، وسمع المومنون والمومنات أن المومنين والمومنات بعضهم أولياء بعض، تجمعهم آصرة الأخوة الإسلامية وتدمجهم الوَلاية الإيمانية أمة واحدة، لها كتاب واحد ونموذج نبوي في الحكم واحد.
النموذج النبوي بشر به الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه الصحيح الذي أخبرنا أنها تكون نبوة، ثم خلافة على منهاج النبوة، ثم عصورا يسود فيها حكم العض والجبر، لتعود بعد ذلك الخلافة على منهاج النبوة ويسود القرآن وحكم شريعة القرآن.
ويلتقي وعْدُ الله الأخروي الذي قرأناه في سورة التوبة ببشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلافية، فيتكامل عند المومنين والمومنات اليقين بما هم منصرفون إليه من عبادات الصلاة والزكاة باليقين بما هم مجاهدون لتحقيقه من عبادات إقامة دولة الإسلام على وقواعد شريعة الإسلام وشورى الإسلام.
ربطٌ محكم يقيني في عقيدة المومنين والمومنات، وجهاد المومنين والمومنات، وعبادة المومنين والمومنات، بين شؤون الدنيا والآخرة، بين السياسة والدين.
ويلفق غيرُهم شبكة تفكيره، ومذهب حياته، ومعيارَ حكمه، ونظام حكمه المقترَحَ الممتنِعَ تحقيقه في بلاد المسلمين : ديمقراطية تضمن حرية لبرالية، حرية لبرالية تبرئنا من تهمة "التطرف الإسلامي" في عين أساتذتنا هناك، وتجلبِ التبرئة تمويلا واستثمارا، وينتج الاستثمار ثروة، ويُعطي الازدهار الاقتصادي استقرارا اجتماعيا سياسيا.
منطق وعقلانية. ويلفق القمقم المنتفخ لنفسه نسبا في الوطنية يعززه بتاريخ نضالية حقيقية أو وهمية لترتفع له في سماء الأمجاد السياسية أعلام، ولتنتصر به أنصاب للنفاق وأزلام.
الذات الملفقة المبعثرة بنيان تزلزله هبة ريح. والنسب في الوطنية، المنحرفُ عَن روح الجهاد الوطني، المنْجَرف عنه، إنما هو وِعاء فارغ من قوارير.
تأبى القوارير أن يَذْكُر النسبَ الصحيحَ للوطنية ذاكر، أو يحفِرَ عن منعرجات الانحراف عن تدين العلماء المؤسسين حافر.
تنادي القوارير القمقمية بحوار يرفُقُ بها، ويعظِّمُ حُرمة الجثمان المقدس، ولا يشير إلى تعفن الجثت المحرجة.
لسان الحال يستعطف ولو زمجر وأرعد وأبرق لسان القال على صفحات الجرائد ومنتديات الثقافة النضالية المعادية للإسلام.
حال يتوسل بشبه ما قال الشاعر :
ارفُقْ بذكرك عَمْرا عند نِسبته فإنه عـربـي من قـواريـرِ
ومن المناضلين من هو وطني من قوارير.
يربط المومنين والمومنات بالله وبرسوله رباط التقوى. ويربط اندماجهم الاجتماعي الوَلاية الإيمانية الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر. والرباطان رباط واحد واصل.
بينما يبحث الأصلاء في الوطنية العريقون فيها عن رباط يصل الماضي بالمستقبل من خلال "ذاكرة تاريخية" يكونون هم جسور تلقينها لجيل الغد.
ربط زمان بزمان، وتاريخ وذاكرة، وهُوَيّةً وحضارة، وثقافة "لا نتنكر لها"، وعقلانية هي الديمقراطية أم الفضائل. لا يبصر الأصلاء الذاكرةُ التاريخيةُ -أو لا يريدون أن يبْصروا- ما في أحشاء الديمقراطية من جنين اللاييكية اللادينية.
أين نحن من صفاء بِلَّوْرة الضمير الإسلامي الوطني عند سلف الوطنية العلماءِ الذين رباهم سلَفٌ مومنون، عالمون في القرويين !
من ربط العباد بربهم وربط العباد المومنين بعضِهم ببعض الإيواء إلى الركن الشديد : كتاب الله عز وجل في القال والحال. في الحال والقال.
إن استعملنا الكلمة الغليظة والعبارة البليغة والوصف الخَشِن فما حِدنَا عن شِرعة القرآن ومنهاج السنة. بل التمسنا وسائل البلاغ والتبليغ من تقليدنا الخطاب النبوي والأمر القرآني. عسى تسْتيقظ أفئدة وتستنير عقول وتتوب أنفس.
ائتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر ربه عز وجل في خطاب الكافرين والمنافقين، فأغلظ القول وأنْكَى بالزجر الخشن. قال الله تعالى لنبيه : ﴿يأيها النبيء جاهد الكفار والمنافقين واغلُظْ عليهم. ومأواهم جهنم. وبيس المصير﴾. (سورة التوبة، الآية : 74)
قال الله، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقلَّدنا.
لَمْ نأْتَلِفْ لأدبيات الحوار "الحضاري" الرقيق الحاشية المهذب الملاطف االمتعاطف الذي يصطنع المصطلح الدارج المعقَّم، لا طعم ولا لون ولا ريح. ومن يقرأ القرآن ويألف المصحف يجد التقريع المؤلم البليغ. ويجدُ الأمر المشدد في شأن الكفار المنافقين. القرآن بخطابه الزاجر الغليظ للمنافقين والكافرين سِلاح جهاد. إن لَمْ تفْلِحْ آية : ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ (سورة النحل، الآية : 125) فآية : ﴿أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا﴾ (سورة النساء، الآية : 62) هي الكلمة.
والتلَف لمن عن شرعة القرآن اختلف.
جهادنا جهاد كلمة. والقلة الذليلة من المرتدين في بلاد المسلمين لا يكاد يَجرؤ أحدهم على الجهر برِدته وإلحاده. نفاقا سياسيا ليخْتُل الرأي العام المسلم، وليَختلس بالجبن الساتِر ما لا يستطيع اقتناصهُ كفاحا في بلاد المسلمين بالكفر السافر.
جهادنا كلمة، والكلمة القرآن.
والنداء من حاضر الأزمات والكوارث الرديئة إلى مستقبل الإسلام، وعدل الإسلام، والعزة بالله، والطهارة بسنة رسول الله، إما يكون بلغة القرآن وبيان القرآن، وإما يهرف الهارفون بما لا يعرفون.
قرآن، ومصحف، وأخلاق، وعبادة في الصلاة والزكاة والحكم وسياق الحكم الشوريِّ، واستعداد للقاء الله، وتصديق بوعد الله ووعيد الله، واستغراق الجُهد وأيامِ العُمْر لنخرج من الدنيا تائبين لله بعد أن بذلنا المُهج في نصرة دين الله.
ذلك نِداء المستقبل الإسلامي الذي لباه من سبقونا بالإيمان رحمهم الله وألحقنا بهم مسلمين.
والعقبات أمام إرادة التلبية والطاعة تتعاظم زمانَنا هذا زمان الثورة الإعلامية المعلوماتية الجائحة الطافحة بإغراء المتعة المصورة، وبحُمَّى التواصلية المثيرة للقاصي والداني، وبشِباك الشيطان المتمثلة في السوق المُعَوْلَمة، وفي الاستكبار العالمي.
قرآن عربي مبين يخاطب قوما يعقلون عن الله في آياته المنزلة في الكتاب المكنون، وفي آياته المنشورة في كتاب الكون وما يحدث فيه من تقلبات، وما يزخر به من فتن، وما يُدار فيه من قُوىً يَظهر دورانها فوضى وغلابا ونهْزَةً أو نزهة لقوم لا يفقهون. ويبصرها المومنون والمومنات إدارة إلهية وَفق سنة الله في العباد، الجارية بهم عبْر رحلة الأعمار إلى معاد.
قرآن عربي مبين وأخلاق وإيمان وشريعة لندخل المستقبل ولنصمد أمام تحدياته المادية السوقية، ولنقف بثبات أمام بلاء الله المتجدد في رياح التواصل اللاّمادي، ولكيلا نبقى كما نحن لقمة لكل ماضغ وسوقا استهلاكية لكل صانع مبدع نابغ.
العقلاني التطوري التقدمي يحب كل جديدٍ من مُبدَعات الناس في الصناعات والعلوم والقانون وأنظمة الحكم. يعتبر اصطناع الحداثة بمظاهرها وأنظمتها في الحكم والقانون وسائر شؤون الحياة خطوة حاسمة لإخراج الأمة من دنيا التخلف الغيبي اللاعقلاني الخرافي الذي يومن بالله وباليوم الآخر إلى مستقبل الإشراق الحضاري المتألق في سماء مجد الإنسان على الأرض.
يحسِب التطوري ويقول : الدين في فجر القرن الحادي والعشرين ! القرآن في عصر الحاسوب !
يحسب ويقول ويتعجب. ويزداد تعجبه عندما يرى قلاع بيداغوجيته ومعاقِل فكره تتهاوى والحمد لله في جامعاتنا ومدارسنا.
دعه يجتر آلام حاضر هزائمه وذكريات مجده النضالي الغابر !
دعه يلعقْ مآسي حاضره وانسداد أفق مستقبله !
وانظر معي إلى آفاق مستقبل أمة عريقة في الحضارة، حملت زمان عزها رسالة الإسلام للعالمين أمينة عليها. وهي اليومَ وغداً -في مسيرة شاقة شريفة شرفها من مشقتها ومشقتها من علو طموحها- متعرضة لوعد الله : ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا. يعبدونني لا يشركون بي شيئاً﴾ (سورة النور، الآية : 53)
سِماتنا الحضارية العريقة، وخصائص شعوبنا، وثروات أرضنا، وفساحة جغرافيتنا، وكتلنا البشرية العظيمة، وتميزُنا بين الناس، وهيبة ديننا الذي يخيف بصحوة شبابنا عالَم الناس.
لا وزن لكل ذلك في مستقبل العالم إن لم تستيقظ القلوب بعد صحوة، وإن لم تُرَب الأدمغة النابهة وتدرَّبْ على الصراع العلومي التكنولوجي التنظيمي الإداري التجاري الصناعي المعلوماتي التواصلي المادي واللامادي. لا وزن لكل ذلك إن لم تزوّد الأجيال الناشئة بالثقة في الله، وبالعلم بما أنزل الله من كتاب وبما سن للعالم من أقدار الأسباب والمسببات. وميدان التربية والتعليم والتدريب المدرسة والجامعة والتلفزيون وأدوات الاتصال.
ميدان المعركة الجهادية المتواصلة المدرسة والجامعة والتلفزيون وشبكات الاتصال الغازية العقُولَ والنفوس والبيوت والأسر والمجتمعات والقِيَمَ عبر الأقمار الصناعية والصحون المقعرة والأنترنيت وما يجد غدا وبعد غد من بلاءٍ ذكي، ظاهر وخفي.
إن مَرضت الأحزاب السياسية والطلائع النضالية المختلفة بالربو والسعال المزمن وفقر الدم من جراء اهتراء الإديولوجيات وبِلَى الهياكل، فهذه إديولوجية المستقبل وهياكله ودينه وأفقه : المتعة المصورة، والسبْح اللانهائي في عوالم الخيال مما تنتجه هوليوود واستديوهات اليابان والمكسيك ومصر، زاد يستهلكه الفقراء في جنوب الكرة القرية. يستهلكونه ويستهلكهم.
ويسبح في عالم المتخَيَّل "المحتمل" "الفرتوِيل" الأغنياء الكاسبون القادرون على اقتناء الحاسوب وكل جديد من مُضافات الحاسوب وخادماته : التلفون والموديم وما لا ينتهي من مبرمَج ومبرمِج في هذه الأنظمة السحرية.
مع القيادات التي صُنِّع عقلها في طواحين الغرب لا تدري إلى أين ينتهي بك السير. هذه "الثوابت" التي يلهج بها الصائحون بالشعارات لا ثبات لها، بل لا وجودَ، في عالم التغيير المعلوماتي الإعلامي الربوطي الطائر، السكران بالسرعة، المجنون بالسرعة إلى غير وِجْهَة.
بالإيمان، والإيمان وحده تلبي نداء الله وبلاغ رسول الله صلى الله عليه وسلم. على ثِقَةٍ تكونُ من وعد الله. مطمئنا تثْبت في مَجْرَى مَا يخلقه الله من أعمال العباد المخترعين الهائمين. فتح الله عليهم البلاء علوما وصناعة وتكنولوجيا، وابتلانا بالفقر والعوز والتخلف والتظالم.
مطمئنا تثبت في مجاري القدر وتشمر عن ساعديك لتعيد بناء المتداعي من الأخلاق، والمنخرق من الاقتصاد، والفاسد من أساليب الحكم، والمتعفن من دواليب الإدارة وناس الإدارة، والمتفاقم من التظالم الطبقي.
كل ذلك والمناخ العالمي معادٍ لك لا يدري أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. كل ذلك والهجوم شامل عليك في ميادين الاقتصاد والثقافة والسياسة والفكر.
مطمئنا تقوم لله بشهادة القسط والعدل والجهاد والثبات على ملة الإسلام بين الناس. وتبني مع البناة صرح أمة كانت عالمة فجهلت، واحدة فتعددت، متآلفة فاستوحش بعضها من بعض دويلاتٍ ممزّقةً، وأثوابا مُخَرّقة.
تبني مطمئنا ثابت الخطى مع البناة السائرين صرح أمة كانت إماما للناس في الدنيا فأصبحت مأمومة، سابقة في الناس فباتت مأمومة، جيلا شامخا في الدنيا فتحولت غثاء كغُثاء السيل.
كثيرٌ هم القوالون والحالمون بمستقبل للأمة مشرق، قليلون من يفعلون ما يقولون : من يطبقون عمليا وسط الزعازع والمثبطات مبادئ الصدق والمثابرة والعزم المقتحم والفضيلة والإيمان.
نحن وإياكم معاشر الفضلاء عابرو سبيل. رحل العلماء العاملون المؤسسون الحركةَ الوطنية ولَقُو رَبهم. نرجو لهم الرحمة والمغفرة. أفنبقى من بعدهم عبدَةَ أطياف وسَدَنةَ ذكريات وحُفّاظ متاحف ؟ أفنكون من بعدهم ورثة لعناتهم ولعنات الأمة ولعنة الله نخون أمانة الإسلام ونتّجر بشعارات الوطنية ؟
هلموا، ويْحكُمْ ! إلى كلمة سواء نتعاون على البر والتقوى وعمل صالح نجده في صحائفنا غدا يوم نلقى الله كما لقيه من قبْلَنا، وتجد الأمة عواقبه الحميدة في مستقبلها. نبني على أساس التقوى، ونسير في سياق الإيمان، والإيمان وحده، ونتطلّع لأفق أوسع من الحسابات السياسية الحِرَفية الدنيويّة الفانية.
استعملت كلمة "ويح !" وهي كلمة تنبيه وتودد وتحبب. لا كلمة شتم واستعلاء كما ظن الظانون حين نعتنا من نريد محاورتهم بالفضلاء. تُرْجِمتْ "الفضلاء" إلى اللغة الفرنسية المشرفة في لوائح المغربين، ثم أعيدت إلى العربية من طريق سوء الظن، فقيل : كلمة سخرية وتحقير.
سر على بركة الله يا فتى الإسلام وعلى خُطى نبيك والصالحين من عباد الله المنيبين إلى الله. اتخذ القرآن العظيم دستور حياتك، فيه الهُدى والحكمة. اتخذه رفيق عمرك وأنيس وحشتك القلبية في عالم الحس والضجيج المصور الطوفاني. اترك صحبة الأشرار، وسر مع الأبرار، واحذر أن تلتقطك خراطيم الدنيا فتلتقم دينك ومروءتك فتهلكَ مع الهالكين. الهالكون شغلتهم الدنيا وغرتهم زينتها فنسُوا الله فأنساهم أنفسهم. أنساهم أنفسهم، فلا يطرحون على أنفسهم السؤال الضخم، السؤال الصاعقة : الموت وما بعد الموت. نسوا الله فأنساهم أنفسهم، ويئسوا أن يكون ثَمَّ جواب عن السؤال الكبير، والنبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون.
لا تلتقطْك الدنيا ولا تغرَّك. لا تكن لُقَطة طريحةً في زُقاق الحياة، على قارعة الحياة. لا تكن دابة هائمة لا معنى لها ولا وِجهة. ﴿قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور﴾ (سورة الممتحنة، الآية : 13) أقم الصلاة وآت الزكاة وامر بالمعروف وانه عن المنكر. وتقدم إلى رضوان الله مقتحما العقبات مجاهدا في سبيل الله.
وأنت يا فتاة الإسلام، يا أخت الإيمان، كوني مدرسة تربية الإيمان وحفظ الفطرة من العبث لتكوني أم المستقبل الإسلامي وحاضنته الأمينة عليه الوفية له. كوني أمة الله المطيعةَ لله. علِّمي أجيال المستقبل كلمة لا إله إلا الله، ومقتضيات أن محمدا رسول الله. علميهم القرآن. علميهم محبة الله ورسوله.
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم. وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين. إنك حميد مجيد. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.