الثلاثاء 24 صفر 1431
مقدمة
     
مقدمة

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن والاه.

كنت كتبت فصول هذا الكتاب منذ أكثر من ثنتي عشرة سنة، لم نستطع نشره لما عاقت عوائق السلطان. أبينا أن ننسلك في نظام "دين الانقياد"، وأن نثلث شهادة أن لا إله إلا الله رب العباد، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا والعماد.

فرقد المخطوط في درجه إلى أن رجعت إليه اليوم لأجد أن مضمونه لا يزال يقظا وإن تقادمت بعض الإحصائيات، وإن أصبح المذهب الاشتراكي والعالم الشيوعي الذي شغل عند الكتابة حيزا من الاهتمام في خبر كان.

لأهل الاختصاص أن يكتبوا عن الاقتصاد من جانب الأرقام والكم والتحولات والموازنات، وهم في سعة ليزعموا أن علم الاقتصاد علم مضبوط أو يكاد. وتتقلب النظريات، ويخضع الكم وتخضع الأرقام لضرورات الوقت، وأجواء المصالح، ورياح التغير، وكبسات التجارة العالمية ونكساتها. لا سيما والظاهرة التي ميزت العقد الأخير من السنين هي تسوق العالم وعالمية السوق. أصبح العالم وما يضطرب في العالم يحيي حياة سوقية ويتحرك حركة طبعها طبع السوق، وحسابها حساب السوق، وبواعثها بواعث السوق، وضوابطها ضوابط السوق. إن كانت السوق يوما تنضبط بشيء غير حساب المصالح الأنانية، وفرصة يغتنمها الأقوى الأدهى الأغنى ليبتز حق الأضعف الأفقر.

ما كانت نيتي أن أزاحم أهل الاختصاص، وأنى لي !

إن كتبت عن بواعث الإيمان وضوابط الشرع فيما يخص الاقتصاد فلست مغترا أن يتحول السوق عن طبعه يوما، ولا أن يصبح أهل السوق وقد تخلقوا بأخلاق الإيثار والرحمة وإيتاء الفقير واليتيم والمعذب في الأرض. لا ينتظر من عالم السوق، من العالم السوق، أن تزوره نخوة الكرم أو تغشاه المروءة أو يتحمله الإيمان وهو تقمصته روح الجاهلية واقتعد في سدته الدولار.

لكن الحكم الإسلامي، وهو حقيقة الغد في حساب السياسة، ووعد الوحي، ومطمح الأمة، لابد أن يسهم المومنون في إنارة طريقه كيلا يحيد اقتصاد الدولة الإسلامية عن سكة الشريعة، أو تتبطنه الروح الخبيثة روح الاستكبار والإفساد في الأرض.

أعود بعد أكثر من ثنتي عشرة سنة لأضيف إلى الفصول الراقدة خاتمة تتبصر في أحوال الدنيا وأهلها بعد الأحداث الحافلة التي راجت وماجت.

ولتتأمل ما صنع الله في خلق الله من خلال التأمل في البلاء النازل بالعباد. ولتسأل عن مسلك المؤمنين، وسياسة المومنين، وتطلع المؤمنين، وهم غدا حاملون الأعباء، وجائلون في الأرجاء.

عم يتمخض هذا الاهتزاز الزلزالي المتسارع رأي العين ؟ أستغفر الله ! بل كيف يستمطر المومنون رحمة الله ونصر الله والمقادير تعصف بالناس ؟

على أي مستوى يتدافع المومنون في معمعة السياسة والاقتصاد مع قوى الاستكبار والإفساد في الأرض ؟

ما هي رؤية الإسلاميين لحاضر متلبد الغيوم، ومستقبل يتوجس منه خيفة أعداء الإسلام وخصومه، ويستبشر به أهل الإيمان ؟

والله غالب على أمره، والحمد لله رب العالمين.

سلا، ليلة الاثنين 7 شعبان 1415.