الأستاذ عبد السلام ياسين - المرشد العام لجماعة العدل والإحسان
]وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكـن له ولي مـن الذل، وكبره تكبيرا[ [1].
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم. وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
كتبت لحد الآن بالعربية، متوجها إلى جمهور محدود من المستعربين. أستبدل اللغة لكي أكتب بالفرنسية، اللغة الغربية التي تقاوم من أجل البقاء داخل المشهد اللغوي حيث تتنازع على العالمية اللغات القومية كالإنجليزية المهيمنة واليابانية المزهوة في محيطها والصينية الغنية بتاريخ باهر ومستقبل لا حد لطموحه.
اللغة العربية، لغة القرآن، تبقى وستبقى اللغة الوحيدة القادرة على حمل رسالة الله إلى الإنسان.
وآمل ألا يكون للفراغ الروحي الذي تتخبط فيه اللغات الدنيوية تأثير على خطابي غير الحاذق نظراً لتغربه في اللغة المستعارة التي أراني مضطراً إلى استعمالها.
عندما تتغير اللغة يتغير التنوير كما تتغير طريقة التصدي للمشاكل، السياسي منها والاجتماعي والاقتصادي، ويحتل الكلي الصدارة. أرجو أن لا يحجب التأكيد على حوادث هذا العالم همي الأول، ألا وهو إسماع الرسالة القرآنية، رسالة السلام لعالم عنيف، رسالة المعنى لعالم ضائع، رسالة الروح للإنسان المريض بحداثته.
يطمح هذا الكتاب، في همه الثاني، إلى تقديم مساهماته المتواضعة في التفكير لمستقبل الإسلام، أي لمستقبل هادئ ومستريح من الاضطراب الجنوني الذي يحرم الناس من العيش في سلام، متصالحين مع الله، منفتحين بالمودة والرحمة بالإنسان، مهمومين باجتياز إعصار الحداثة الصاخب، وبالعبور من هذه الدنيا إلى الدار الآخرة وكلهم رجاء في السعادة الأبدية.
أتحدث إذن عن الله واليوم الآخر لحداثة أصمها الصخب العصري، وأعماها بريق الصورة الملونة، وفتنتها الأضواء، أضواء الآني، وأغواها سحر الطرق السيارة الإلكترونية، وأذهلها عالم الفرضيات. أتحدث عن الله واليوم الآخر للحداثة الذاهلة المذهلة مستعدا لتحمل سخرية الكفر الحديث واستهزائه.
سأكون سعيدا إذا وجَدَت في هذا الكتاب روح متعطشة للحق البرهانَ لإخراس صراخ الشك الذي تثيره الحداثة في العقول.
سعيدا أكون لو أن نفسا قلقة وجدت في هذا المكتوب مادةً تقوي عزماتها الضعيفة وتزيل عنها الظن والريب الحديثين للإقدام على الرحلة إلى الله بخطى مطمئنة وحازمة.
إنارة الطريق إلى سعي روحي فردي وشخصي هو همي الأول. وأن نضع في الاعتبار الظرف التاريخي والسياسي والاجتماعي والعلمي والبيئي والإنساني الذي يحكم ويقود الحداثة مرخيا لها العنان هدف مهم جدا لكنه ثانوي، على كل حال، بالنظر إلى مصيرنا النهائي بعد الموت الفردي والشخصي.
أظن أني كنت أول من استعمل منذ ما يقرب من عشرين سنة، صيغة " تسليم الحداثة ". العبارة أخذها آخرون منذ ذلك الحين. أعيد الكرة لا لاجترار شعار، ولكن لأواجه الحداثة بالأسئلة التي لا تهتم بها إطلاقا، وليس لأتباعها الوقت لطرحها على أنفسهم : من أنا ؟ وما أكون، وإلى أين أسير؟ وماذا أصير إذا مت وحنطت جثتي في تابوت من سنديان أو ركمتها الجرافة في حفرة جماعية في البادية الجزائرية أو الغابة الرواندية؟
أرجو أن يجد من همته الله والباحثون عن الحق ما يتقون به قلقهم ويقوون به بحثهم. أما المنكرون والملاحظون والمحللون الآخرون الذين أغلقوا نوافذهم كيلا يهب عليها تيار فكرة مخالفة، تيار تفكير مغاير، فإني أتمنى لهم ساعة لاستراحة الضمير، لحظة صدق فكري، ومضة صراحة مع الذات لإعادة طرح مسألة الإسلام وقضية الحركة الإسلامية في العالم، ليس باعتبارها شقاقاً بين البشر، ولا بوصفها عدوا مطلقا للغرب أو تصادما بين الحضارات، ولكن بكونها يدا متوددة للإنسان، مُحبة للإنسان، حاملة رسالة الإنصاف والعدل للإنسان.
لكي تُبَلَّغَ وتُفْهَمَ الفهم الصحيح فإن رسالة الإسلام تتطلب من المبلِّغ والمخاطَب كثيرا من الصبر واللطف في بيئة يسود فيها رفض الآخر، وتسود فيها المغالطة الإعلامية.
إن الله عليم حكيم. والحمد لله رب العالمين.
سلا، السبت فاتح ذي القعدة 1418
موافق 28 فبراير 1998.
[1] سورة الإسراء، الآية 111.